
زلزال سياسي يهز “الحمامة” بالرباط.. هل بدأت كلفة التدبير الانتخابي المبكر؟
الرباط: إدريس بنمسعود
لم تكن الاستقالات الجماعية التي هزت حزب التجمع الوطني للأحرار بالعاصمة الرباط مجرد حدث تنظيمي عابر أو خلاف داخلي محدود، بل حملت في طياتها مؤشرات سياسية تستحق التوقف عندها، خاصة أنها جاءت مباشرة بعد الإعلان عن لوائح المرشحين للانتخابات التشريعية المقبلة.
ففي الوقت الذي كان الحزب يسعى إلى تقديم صورة القوة التنظيمية والاستعداد المبكر للاستحقاقات القادمة، وجد نفسه أمام مشهد معاكس تمثل في إعلان شخصيات داخل هياكله المحلية، تتقدمها عمدة الرباط فتيحة المودني ورئيس مقاطعة السويسي عادل الأتراسي وعدد من المنتخبين، اعتزال العمل السياسي والانتخابي من داخل الحزب بشكل نهائي.
هذه الخطوة تطرح أكثر من سؤال حول طبيعة التوازنات الداخلية داخل حزب يقود الحكومة، وحول مدى قدرة قيادته على تدبير طموحات المنتخبين المحليين الذين راكموا حضورا ميدانيا وانتخابيا خلال السنوات الماضية.
فالاستقالات لم تأتِ من أسماء هامشية أو غير مؤثرة، بل من مسؤولين منتخبين يشرفون على تدبير مؤسسات ترابية مهمة بالعاصمة، ما يمنح للقرار أبعادا تتجاوز مجرد رد فعل شخصي أو ظرفي.
اللافت في بيان المستقيلين أنهم تحدثوا عن “اعتبارات موضوعية” حالت دون استمرارهم في أداء ما وصفوه بالأمانة الحزبية والسياسية والانتخابية، وهي صيغة سياسية تحمل بين سطورها رسائل واضحة حول وجود اختلالات أو خلافات عميقة لم يتم الإفصاح عنها بشكل مباشر. كما أن اختيارهم الإعلان عن القرار خلال دورة رسمية لمجلس مقاطعة السويسي، وأمام المنتخبين والسلطات وفعاليات المجتمع المدني، يؤكد رغبتهم في إعطاء الخطوة بعدا سياسيا ورسالة تتجاوز الإطار التنظيمي الداخلي.
ومن زاوية أخرى، تكشف هذه التطورات عن إحدى الإشكالات المزمنة التي تواجه الأحزاب المغربية مع اقتراب كل محطة انتخابية، حيث تتحول عملية اختيار المرشحين إلى مصدر توتر وصراعات داخلية بسبب تضارب المصالح والطموحات الفردية والجماعية. فكلما اقترب موعد الانتخابات ارتفعت كلفة التوافقات الحزبية، وبرزت حالات الاحتجاج والانسحاب وحتى الانتقال بين الأحزاب.
وبالنسبة لحزب التجمع الوطني للأحرار، فإن أهمية هذه الاستقالات لا تكمن فقط في عدد المنسحبين، بل في توقيتها ومكان وقوعها.
فالرباط ليست دائرة انتخابية عادية، بل عاصمة سياسية وإدارية تشكل واجهة رمزية للأحزاب الوطنية، وأي ارتباك داخل هياكلها المحلية ينعكس مباشرة على صورة الحزب وطنيا.
ورغم أن المستقيلين أكدوا استمرارهم في خدمة الساكنة إلى نهاية الولاية الانتخابية، فإن الرسالة السياسية التي بعثوا بها تبدو أكثر عمقا من مجرد إعلان اعتزال. فهي تعكس حالة من عدم الرضا عن طريقة تدبير المرحلة المقبلة، وتفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الخطوة ستظل معزولة أم أنها قد تكون مقدمة لتحركات أخرى داخل الحزب أو حتى داخل أحزاب سياسية أخرى مع اقتراب موعد الانتخابات.
في النهاية، يبدو أن المعركة الانتخابية المقبلة بدأت قبل أوانها، ليس بين الأحزاب المتنافسة فقط، بل أيضا داخل الأحزاب نفسها. وما حدث داخل “الحمامة” بالرباط يبرز أن التحدي الأكبر لم يعد يقتصر على كسب أصوات الناخبين، بل أصبح مرتبطا كذلك بالحفاظ على تماسك البيت الداخلي وضمان شعور مختلف الفاعلين السياسيين بالإنصاف والتمثيلية داخل مؤسساتهم الحزبية.





