بين تبسيط المساطر وجذب الاستثمار.. هل ينجح قانون التجزئات الجديد في تصحيح اختلالات التعمير بالمغرب؟

الرباط: إدريس بنمسعود

يأتي مشروع القانون رقم 34.21 المعدل والمتمم للقانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات في سياق إصلاحي يروم مواكبة التحولات العمرانية المتسارعة التي عرفها المغرب خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

وبينما شكل القانون المعمول به منذ سنة 1992 إطاراً أساسياً لتنظيم التوسع العمراني ومحاربة البناء العشوائي، فإن الواقع الميداني أفرز مجموعة من الإكراهات المرتبطة بتعقيد المساطر الإدارية، وتفاوت تأويل النصوص القانونية، وتأخر إنجاز التجهيزات الأساسية داخل العديد من التجزئات، وهو ما دفع الحكومة إلى مراجعة المنظومة القانونية بهدف جعلها أكثر ملاءمة للمتغيرات الحالية.

وفي مقارنة بين القانون القديم والمقتضيات الجديدة، يظهر أن أبرز مستجدات الإصلاح تتعلق باعتماد مقاربة أكثر مرونة في تدبير آجال إنجاز مشاريع التجزئات العقارية. فبينما كانت المقتضيات السابقة لا تراعي دائماً اختلاف أحجام المشاريع وتعقيداتها، يقترح النص الجديد آجالاً متدرجة تتراوح بين ثلاث سنوات بالنسبة للمشاريع الصغيرة وخمس عشرة سنة بالنسبة للمشاريع الكبرى التي تتجاوز مساحتها 400 هكتار.

ويعكس هذا التوجه رغبة في تحقيق التوازن بين متطلبات الاستثمار العقاري وضرورة احترام الالتزامات المرتبطة بإنجاز المشاريع.

ومن جهة أخرى، يسعى المشروع إلى معالجة واحدة من أبرز الإشكالات التي رافقت التوسع العمراني بالمغرب، والمتمثلة في ضعف أو تأخر إنجاز المرافق والتجهيزات العمومية داخل بعض التجزئات السكنية. فالنص الجديد يمنح أهمية أكبر لتوفير البنيات الأساسية وضمان نقل ملكية هذه المرافق بشكل تلقائي إلى الجماعات الترابية بعد التسلم المؤقت للأشغال، بما يضمن استمرارية تدبيرها وصيانتها لفائدة السكان.

وعلى مستوى حماية الحقوق، يتجه المشروع نحو تعزيز مسؤولية المنعشين العقاريين من خلال إلزامهم بإصلاح العيوب والنقائص التي قد تظهر بعد إنجاز المشاريع، وهو مقتضى يكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ويمنح للمواطنين ضمانات إضافية مقارنة بما كان معمولاً به سابقاً.

أما في الجانب الاقتصادي، فإن الحكومة تراهن على أن يؤدي تبسيط المساطر وتقليص آجال منح التراخيص إلى تحسين مناخ الأعمال وجذب مزيد من الاستثمارات العقارية.

ويأتي هذا التوجه استجابة لمطالب متكررة من قبل المستثمرين الذين اشتكوا لسنوات من بطء الإجراءات الإدارية وتعدد المتدخلين، وهي عوامل كانت تؤثر سلباً على تنافسية القطاع وعلى قدرة المشاريع على الخروج إلى حيز التنفيذ في الآجال المناسبة.

غير أن نجاح هذا الإصلاح لن يقاس فقط بجودة النصوص القانونية، بل بمدى قدرتها على التطبيق الفعلي على أرض الواقع. فالتجارب السابقة أظهرت أن العديد من القوانين المتقدمة اصطدمت بإشكالات التنفيذ وضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين. لذلك يبقى الرهان الحقيقي في توفير آليات فعالة للمراقبة والتتبع، وضمان التزام جميع الأطراف بمقتضيات القانون الجديد.

وبذلك، يبدو أن مشروع القانون 34.21 يمثل محاولة لتجاوز نقائص قانون 1992 من خلال مقاربة أكثر واقعية ومرونة، تجمع بين حماية حقوق المواطنين وتحفيز الاستثمار العقاري. غير أن تحقيق الأهداف المعلنة سيظل رهيناً بقدرة الفاعلين المؤسساتيين والاقتصاديين على تحويل هذه المقتضيات القانونية إلى واقع عمراني أكثر تنظيماً واستدامة، يحقق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وجودة العيش داخل المدن والمجالات الحضرية المغربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى