النفط يتراجع عالمياً والمحروقات تقاوم الانخفاض بالمغرب.. لماذا ترتفع الأسعار بسرعة وتتأخر التخفيضات؟

الرباط: نارمان بنمسعود

يثير استمرار الفارق بين تراجع أسعار النفط في الأسواق الدولية وبطء انعكاسه على أسعار المحروقات بالمغرب جدلاً متجدداً حول فعالية آليات التسعير المعتمدة بعد تحرير القطاع، خاصة في ظل عودة سعر البرميل إلى مستويات تقل عن 80 دولاراً عقب التهدئة النسبية للتوترات الجيوسياسية المرتبطة بالعلاقات الأمريكية الإيرانية.

ورغم شروع بعض شركات التوزيع في تطبيق تخفيضات محدودة على أسعار الغازوال والبنزين خلال الأيام الأخيرة، فإن هذه المراجعات تظل، وفق عدد من المتابعين، دون مستوى الانخفاضات التي سجلتها الأسواق العالمية، ما يعيد إلى الواجهة تساؤلات المستهلكين بشأن مدى ارتباط الأسعار المحلية بالتقلبات الدولية وسرعة انتقال أثرها إلى محطات الوقود.

ويرى الحسين اليماني، رئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول والكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز، أن عودة أسعار النفط إلى مستويات أقل من 80 دولاراً تمثل مؤشراً إيجابياً، غير أن استمرار هذا المنحى يبقى رهيناً باستقرار الأوضاع الدولية ونجاح التفاهمات السياسية التي ساهمت في تهدئة الأسواق.

ويؤكد اليماني أن السوق المغربية لا تعتمد مبدأ الانعكاس الفوري لتقلبات الأسعار العالمية، إذ تعتمد شركات التوزيع على احتسابات تمتد لفترات زمنية تقارب خمسة عشر يوماً، وهو ما يجعل المستهلك لا يستفيد مباشرة من التراجعات السريعة التي تعرفها الأسواق الدولية، بينما يتطلب ظهور أثرها على الأسعار المحلية مزيداً من الوقت.

هذا الواقع يفتح الباب أمام مقارنة تثير الكثير من النقاش؛ فبينما تنتقل الزيادات العالمية إلى السوق الوطنية بوتيرة سريعة نسبياً، تبدو التخفيضات أكثر بطئاً في الوصول إلى المستهلك، وهو ما يغذي الانتقادات الموجهة إلى نموذج تحرير الأسعار ويطرح تساؤلات حول مدى تحقيقه للتوازن بين مصالح المستثمرين وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

من جانبه، يشير الخبير الاقتصادي محمد جدري إلى أن أسعار المحروقات بالمغرب عرفت خلال الأشهر الماضية ارتفاعات ملحوظة بفعل التوترات الجيوسياسية الدولية، بعدما انتقلت من مستويات كانت تقارب 10.80 دراهم للتر الواحد إلى أكثر من 15 درهماً خلال فترات معينة. ويعتبر أن التخفيضات الحالية، التي لا تتجاوز في أغلب الأحيان بضعة سنتيمات، تبدو محدودة مقارنة بحجم الزيادات السابقة التي تجاوزت في بعض الأحيان درهمين للتر الواحد.

ويضيف جدري أن استقرار أسعار النفط الخام دون سقف 80 دولاراً للبرميل من شأنه أن يهيئ الظروف لمراجعات إضافية للأسعار خلال الأسابيع المقبلة، متوقعاً إمكانية تسجيل انخفاضات قد تتجاوز درهماً أو درهماً ونصفاً للتر إذا استمرت المؤشرات الدولية في الاتجاه نفسه ولم تطرأ مستجدات جيوسياسية جديدة تعيد إشعال الأسواق.

وفي خضم هذا الجدل، يعود الحديث مجدداً عن دور المؤسسات الرقابية، وعلى رأسها مجلس المنافسة، في تتبع تطور الأسعار ومدى انسجامها مع التحولات الدولية. فإعادة نشر التقارير الدورية المقارنة بين الأسعار العالمية والمحلية من شأنها أن توفر قدراً أكبر من الشفافية، وأن تمكن المستهلك من فهم كيفية تشكل الأسعار ومدى استفادته الفعلية من انخفاضات السوق الدولية.

وبين منطق السوق الذي يدافع عنه أنصار التحرير، والدعوات المطالبة بمزيد من الرقابة والتدخل لحماية المستهلك، يبقى السؤال مطروحاً: إذا كانت الزيادات العالمية تصل بسرعة إلى جيب المواطن المغربي، فلماذا تحتاج التخفيضات إلى وقت أطول حتى تجد طريقها إلى مضخات الوقود؟ وهو سؤال يتجدد مع كل تراجع في أسعار النفط ويعيد فتح ملف المحروقات الذي ما زال يشكل أحد أكثر الملفات الاقتصادية إثارة للنقاش بالمغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى