المال السياسي تحت الرقابة.. معايير جديدة تعيد رسم قواعد تدقيق حسابات الأحزاب

الرباط: إدريس بنمسعود

يدخل المغرب مرحلة جديدة في تدبير مالية الأحزاب السياسية، بعدما صدرت معايير أكثر صرامة للإشهاد على حساباتها السنوية، في خطوة تعكس توجها متزايدا نحو تعزيز الشفافية وربط التمويل العمومي بالمحاسبة الفعلية. فالقرار المشترك لوزير الداخلية ووزيرة الاقتصاد والمالية، المتعلق باعتماد دليل معايير التدقيق القانوني والتعاقدي للحسابات السنوية للأحزاب، لا يقتصر على تنظيم الجانب التقني للمحاسبة، بل يؤسس لتحول في فلسفة الرقابة على المال السياسي، بعدما ظلت تقارير المجلس الأعلى للحسابات خلال السنوات الماضية تكشف اختلالات متكررة في تدبير الموارد والنفقات والدعم العمومي.

وتبرز المقارنة بين المرحلة السابقة والمرحلة الجديدة أن التدقيق المالي لم يعد مجرد إجراء شكلي يرافق إعداد الحسابات السنوية، بل تحول إلى منظومة متكاملة تفرض على الخبير المحاسب مراقبة مشروعية الموارد، وكيفية صرف النفقات، ومدى احترام الأحزاب للقوانين المنظمة للتمويل العمومي.

ويعكس هذا التطور رغبة في الانتقال من الرقابة اللاحقة التي تكتفي برصد المخالفات إلى رقابة استباقية تهدف إلى الحد من وقوعها.

ويفرض الدليل الجديد على الخبراء المحاسبين تطبيق معايير التدقيق المالي المعتمدة من هيئة الخبراء المحاسبين بالمغرب، مع التشديد على الاستقلالية الكاملة عن الأحزاب السياسية، باعتبارها الركيزة الأساسية لضمان مصداقية عملية الإشهاد.

ولذلك جاءت حالات التنافي أكثر تشددا، إذ يمنع على الخبير أن يكون عضوا أو منخرطا في الحزب أو مسؤولا داخل هياكله أو شركاته، كما يحظر تعيينه إذا سبق أن مارس هذه المهام خلال السنوات الأربع السابقة، أو إذا كانت تربطه صلات قرابة أو مصالح مالية بمسؤولي الحزب، إضافة إلى منعه من تقديم خدمات محاسبية أو استشارية قد تؤثر على حياده.

ويكشف هذا التشدد أن المشرع يسعى إلى تفادي تضارب المصالح الذي كان يشكل أحد أبرز مواطن الضعف في منظومة الرقابة، إذ إن استقلالية المدقق أصبحت شرطا جوهريا لضمان نزاهة التقارير وعدم تحولها إلى مجرد وثائق شكلية تمنح الشرعية لحسابات قد تخفي اختلالات مالية.

كما يوسع الدليل الجديد نطاق التدقيق ليشمل مختلف مصادر تمويل الأحزاب، سواء تعلق الأمر بواجبات الانخراط أو الهبات والوصايا أو الدعم العمومي، مع التأكد من قانونية كل مورد وتوثيقه محاسبيا.

وفي المقابل، يخضع جانب النفقات لتدقيق أكثر عمقا للتحقق من ارتباطها بالأهداف القانونية للحزب، ومنع توجيه الأموال إلى مصاريف شخصية أو أنشطة لا علاقة لها بالعمل الحزبي، وهو ما يمثل تحولا مقارنة بالممارسات السابقة التي كانت تركز أساسا على الجوانب الشكلية للمحاسبة.

ويولي القرار أهمية خاصة لمراقبة الدعم المالي الذي تمنحه الدولة للأحزاب، إذ أصبح الخبير المحاسب مطالبا بالتأكد من استعمال هذه الأموال حصريا في الأغراض التي رصدت لها، واحترام الآجال القانونية، ومطابقة البيانات المحاسبية مع الوثائق والتقارير الموجهة إلى المجلس الأعلى للحسابات.

كما تمتد عملية التدقيق إلى الشركات أو المؤسسات التي قد تنشئها الأحزاب، بما يمنع نقل الأنشطة أو الموارد إلى كيانات موازية بعيدا عن الرقابة.

وتعكس هذه المقتضيات توجها نحو تشديد الرقابة على كل مسارات المال السياسي، خاصة في ظل تنامي المطالب المجتمعية بضمان حسن تدبير الأموال العمومية المخصصة للأحزاب، وربط الدعم العمومي بمستوى الحكامة والشفافية.

وفي نهاية كل سنة مالية، سيكون الخبير المحاسب مطالبا بإعداد ثلاثة تقارير مستقلة تشمل تقرير الإشهاد على القوائم المالية، وتقرير أعمال التدقيق، وتقرير تقييم نظام المراقبة الداخلية. كما يمنحه الدليل صلاحية إصدار إشهاد بدون تحفظ، أو مع تحفظات، أو رفض الإشهاد نهائيا مع بيان الأسباب، إضافة إلى التنبيه إلى المخالفات التي قد تكتسي طابعا جرميا.

ورغم أهمية هذه الإصلاحات، فإن نجاحها لن يقاس فقط بصرامة النصوص، وإنما بمدى الالتزام بتطبيقها على أرض الواقع، وباستعداد الأحزاب نفسها لتبني ثقافة جديدة تجعل الشفافية المالية جزءا من الممارسة السياسية اليومية، لا مجرد التزام قانوني موسمي.

فالتحدي الحقيقي لم يعد في إصدار قواعد أكثر دقة، بل في تحويلها إلى آلية فعالة لاستعادة ثقة المواطنين في الأحزاب وفي طريقة تدبيرها للمال العام، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية التي تجعل نزاهة التمويل السياسي أحد أبرز رهانات المرحلة.
.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى