
مرصد الأداء يناقش معضلة تأخر الأداءات وتأثيرها على المقاولات

الرباط: إدريس بنمسعود
في سياق وطني يتسم بتحديات هيكلية تواجه المقاولات خاصة الصغرى والمتوسطة، التأم بالرباط الاجتماع السابع لـ”مرصد آجال الأداء”، برئاسة نادية فتاح العلوي، وزيرة الاقتصاد والمالية، إلى جانب مهدي التازي، نائب رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب، في محطة جديدة من مسار إصلاح تأخر الأداءات الذي لطالما شكل عنق زجاجة في بيئة الأعمال المغربية.
الاجتماع لم يكن عادياً من حيث الخلفية الرمزية. فقد استُحضر خلاله نص الخطاب الملكي لـ20 غشت 2018، الذي دعا فيه العاهل المغربي الإدارات العمومية، وخصوصاً الجماعات الترابية، إلى تسديد ما بذمتها تجاه المقاولات تفادياً لتفاقم حالات الإفلاس وفقدان مناصب الشغل. واليوم، وبعد مرور سنوات، يبدو أن المسطرة دخلت مرحلة أكثر عملية، تتجاوز النوايا إلى آليات التتبع والردع.
القانون رقم 69.21، الذي عدّل مدونة التجارة، يُعدّ تحوّلاً نوعياً في العلاقة بين المقاولات، إذ لم يكتف بتحديد آجال الأداء، بل ربط ذلك بغرامات مالية تلقائية ضد المخالفين، في خطوة فُهم منها أن الدولة تعتزم أخيراً محاربة “ثقافة التأخير” التي كادت أن تصبح قاعدة في التعامل المالي.
المعطيات الجديدة تشير إلى أن 17.636 تصريحاً تم إيداعها من طرف المقاولات خلال سنة 2024 بشأن هذا النظام، مما يعكس – لأول مرة – انخراطاً واسعاً في هذه المنظومة الرقابية. لكن السؤال الحقيقي يبقى: هل يتعلق الأمر بانخراط شكلي أم بوعي مؤسساتي متزايد بخطورة الظاهرة؟
أبرز ممثلو الاتحاد العام لمقاولات المغرب أن الإجراءات التشريعية بدأت تعطي نتائج ملموسة، حيث سجلت تراجعات في حجم المديونية بين المقاولات، مما خفف الضغط على التمويل الذاتي، وأعاد الثقة النسبية في القروض البنكية كمصدر تمويل رئيسي.
لكن الملاحظة الأهم هي أن هذه النتائج ما تزال محدودة في تأثيرها الفعلي، بالنظر إلى أن الآجال الواقعية للأداء في السوق ما تزال، حسب تقارير سابقة لبنك المغرب، تفوق 100 يوم في كثير من القطاعات، أي ما يفوق بكثير الأجل القانوني.
الاجتماع ضمّ ممثلين عن وزارات ومؤسسات مركزية: بنك المغرب المديرية العامة للضرائب، الخزينة العامة، الوكالة الوطنية لإنعاش المقاولات، ومديرية المنشآت العامة والخوصصة. وهو ما يعكس الطابع التشاركي لهذا الورش.
لكن حجم وتعدد المتدخلين يطرح أيضاً سؤالاً حول مستوى التنسيق الفعلي بينهم، خصوصاً حين يتعلق الأمر بجمع البيانات، أو فرض الغرامات، أو تسوية النزاعات التجارية في آجال معقولة.
الاجتماع السابع لمرصد آجال الأداء ليس فقط محطة تنظيمية، بل مؤشر على بداية تحول ثقافي واقتصادي أعمق. فالتأخر في الأداء لم يكن مشكلة تقنية فقط، بل مظهر من مظاهر ضعف الشفافية والتدبير المالي في علاقة المقاولات فيما بينها، وفي علاقتها مع الدولة.
إن بناء ثقافة جديدة تحترم الآجال القانونية، وتكرّس المحاسبة المالية، يُعدّ شرطاً أساسياً لإنجاح النموذج التنموي الجديد، وتحقيق مناخ أعمال تنافسي ومستدام.





