أرقام واعدة واختبار صعب: المغرب أمام فرصة تثبيت موقعه الاقتصادي إقليمياً

الرباط: إدريس بنمسعود

في وقت يتجه فيه الاقتصاد العالمي نحو مزيد من التباطؤ تحت وطأة التوترات التجارية وإعادة تشكيل سلاسل التوريد، يبرز المغرب، وفق تقرير حديث لمؤسسة “إرنست ويونغ” حول التوقعات الاقتصادية العالمية لدجنبر 2025، كاستثناء نسبي داخل محيط إقليمي متقلب.

فالمملكة تُصنَّف ضمن الدول الأكثر استفادة من تحسن الظرفية الاقتصادية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ليس فقط مقارنة بسنواتها الأخيرة، بل أيضاً قياساً بعدد من الاقتصادات الإقليمية المنافسة.

التقرير يرسم مساراً تصاعدياً للنمو المغربي، ينتقل تدريجياً من مستويات متواضعة في 2024 و2025 إلى قفزة لافتة ابتداءً من 2026، وصولاً إلى أفق 5.5 في المائة سنة 2027. هذا المنحنى، وإن كان يبدو طموحاً، يكتسب دلالته الحقيقية عند مقارنته بالمتوسط الإقليمي، حيث من المنتظر أن يظل نمو اقتصادات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في حدود 4 في المائة، مدفوعاً أساساً بعائدات النفط في الخليج، أكثر من دينامية اقتصادية داخلية مستدامة.

في هذا السياق، يختلف النمو المغربي في طبيعته عن نظيره الخليجي؛ فبينما يستند الأخير إلى تحسن إنتاج وأسعار النفط، يعتمد المغرب على مزيج أكثر تنوعاً، يشمل تعافي الطلب الداخلي، وانتعاش القطاع الفلاحي بعد سنوات من الجفاف، إلى جانب دور متزايد للخدمات واللوجستيك والمبادلات التجارية الإقليمية. هذه المقاربة المتعددة الروافد تمنح النمو المغربي طابعاً أقل تقلباً، وإن كان أكثر حساسية للإكراهات البنيوية المزمنة.

وعند المقارنة مع اقتصادات إقليمية كبرى، مثل مصر أو بعض دول الخليج، يبرز المغرب في موقع وسط: نموه المتوقع في 2026، عند حدود 4.8 في المائة، قد لا يضاهي الطفرات الظرفية للاقتصادات النفطية في سنوات الرواج، لكنه يتجاوز أداء عدد من الاقتصادات غير النفطية التي ما تزال رهينة اختلالات مالية وتضخمية حادة. بهذا المعنى، لا يعكس التفوق المغربي تفوقاً كمياً صرفاً، بقدر ما يعكس تحسناً نسبياً في القدرة على استعادة التوازن.

التضخم يشكل بدوره عنصراً حاسماً في هذه المقارنة. فاستقرار الأسعار المتوقع في المنطقة، مع ارتفاع طفيف لا يتجاوز 4.1 في المائة، يمنح المغرب هامشاً أوسع للتحرك مقارنة بسنوات سابقة كانت فيها الضغوط التضخمية تقوض أي مكسب في النمو. كما أن هذا الاستقرار النسبي يعزز جاذبية المملكة لدى المستثمرين، خاصة في ظل توقعات بتخفيف السياسات النقدية خلال 2026، وهو عامل تفتقده بعض الاقتصادات المجاورة التي ما تزال تعيش على وقع تشديد نقدي صارم.
غير أن قراءة هذه الأرقام لا تخلو من مفارقة. فبينما يضع التقرير المغرب ضمن الرابحين المحتملين من تحسن الظرفية الإقليمية، يظل هذا التفاؤل مشروطاً بقدرة الاقتصاد الوطني على تحويل الانتعاش الظرفي إلى نمو فعلي ومستدام، ينعكس على التشغيل والاستثمار والإنتاج. فالمقارنة مع الجوار تكشف أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تجاوز المتوسطات الإقليمية، بل في ترسيخ نموذج نمو أقل هشاشة أمام الصدمات الخارجية.

هكذا، وبين عالم يتباطأ ومنطقة تبحث عن توازن جديد، يبدو المغرب أمام فرصة نادرة لتحسين موقعه الاقتصادي. لكنها فرصة لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بمدى قدرة السياسات العمومية على استثمار هذا الهامش الإيجابي قبل أن تضيق نافذته من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى