
في منتصف الولاية الحكومية: هل تصمد الأغلبية أمام امتحان المنجز الاجتماعي والسياسي؟

بقلم: الخبير المهدي الجرباوي
بين خطاب الطمأنة وإنجازات الحصيلة، اجتمعت مكونات الأغلبية الحكومية، يوم الاثنين 2 يونيو 2025، في الرباط، لتقييم مسار النصف الأول من الولاية، وسط سياق إقليمي متوتر ووطني متقلب يتسم بتحديات اجتماعية واقتصادية مستمرة. الاجتماع، الذي حضره قادة أحزاب التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، شكّل لحظة استعراض سياسي لمكاسب تدافع عنها الحكومة، لكنها أيضًا لحظة محاسبة ضمنية أمام الرأي العام.
الدبلوماسية في واجهة الخطاب السياسي: الصحراء كعنوان للتراص
لم يكن مفاجئًا أن تتصدر قضية الصحراء المغربية البيان السياسي، في ظل ما اعتبرته الأغلبية “تحولًا نوعيًا” في الموقف البريطاني الداعم لمبادرة الحكم الذاتي، معتبرة إياه امتدادًا لدعم الولايات المتحدة وفرنسا. غير أن هذه القراءة، رغم وجاهتها في تعزيز الاعتراف الدولي، لا تُخفي أن معركة كسب المواقف لا تزال مفتوحة، وأن تأمين دعم سياسي لا يعني دائمًا تحولًا ميدانيًا في موازين التسوية.
العدوان على غزة: الموقف الثابت… ولكن
في ملف فلسطين، بدا موقف الأغلبية متماهيًا مع التوجهات الرسمية للمملكة، بالإدانة الواضحة لجرائم الحرب الإسرائيلية والتأكيد على دعم وقف إطلاق النار كمدخل للحل. ومع أن الخطاب السياسي المغربي ظل متوازنًا تاريخيًا، فإن الرأي العام بات يتساءل عن حدود هذا الموقف في ظل تطبيع رسمي قائم، مقابل تفاقم معاناة المدنيين في غزة دون تحرك إقليمي مؤثر.
ورشة الدولة الاجتماعية: بين الإقلاع والسيولة السياسية
من أكثر النقاط التي تشبثت بها الأغلبية، ما اعتبرته إنجازات هيكلية في ورش “الدولة الاجتماعية”: تعميم التغطية الصحية، الدعم الاجتماعي المباشر، برامج السكن، والحوار الاجتماعي. صحيح أن هذه المشاريع تضع المغرب على مسار تقليص الفوارق، لكنها تظل مهددة بتعقيدات البيروقراطية، وبالانتظارات المرتفعة من قبل المواطنين، خاصة في ظل الغلاء وتآكل القدرة الشرائية.
فهل تنجح الحكومة في جعل هذه المشاريع واقعية وملموسة لدى الطبقات الوسطى والهشة، أم أنها ستظل حبيسة الأرقام والبلاغات؟
الاقتصاد الوطني: أرقام واعدة أم انتعاش ظرفي؟
إشادة الأغلبية بنسبة نمو بلغت 4.2% وخلق 282 ألف منصب شغل خلال سنة، تضع الاقتصاد المغربي في موقع إيجابي نسبيًا مقارنة بتقلبات الاقتصاد العالمي. لكن النقد التحليلي يفرض مساءلة مدى استدامة هذه الدينامية، في ظل غياب رؤية واضحة لإصلاح ضريبي شامل، وبطء في رقمنة الإدارة، ومحدودية الاستثمار المنتج للثروة خارج قطاعات بعينها كالفلاحة والسياحة.
الفلاحة والأمن المائي: ردود سريعة… ولكن هل هي كافية؟
في تجاوبها مع التعليمات الملكية، أطلقت الحكومة برنامجًا لدعم مربي الماشية، يشمل إعادة جدولة الديون والدعم العاجل للأعلاف. وتلك خطوة يُحسب للحكومة سرعتها في التنفيذ، غير أنها تأتي في سياق تأزم مناخي بنيوي (الجفاف، ندرة الموارد المائية)، ما يجعل التدخلات الظرفية غير كافية دون مراجعة النموذج الفلاحي في اتجاه أكثر استدامة وعدالة مجالية.
انسجام الأغلبية وتماسك الخطاب: فعالية سياسية أم واجب انضباط؟
ختمت رئاسة الأغلبية اجتماعها بالتشديد على وحدة صفوفها وانسجام رؤاها، في رسالة واضحة إلى الداخل والخارج مفادها: الحكومة مستمرة ومتماسكة. لكن قراءة الواقع السياسي تكشف أن الانسجام الظاهري لا يُخفي التباينات التي ظهرت خلال بعض المحطات المفصلية، من قبيل الجدل حول إصلاح التعليم، أو التوتر بين وزراء من أحزاب مختلفة حول تدبير بعض القطاعات.
بل أكثر من ذلك، فإن الرهان الحقيقي للأغلبية ليس في بقائها كتحالف سياسي، بل في مدى قدرتها على تحويل توافقها النظري إلى فعل تنموي يعيد الثقة للمواطن في المؤسسات والوعود الانتخابية.
يُمكن القول إن اجتماع الأغلبية جاء في توقيت حساس؛ منتصف الولاية هو أيضًا منتصف المسافة بين الوعود والإنجازات، وبين التخطيط والتنفيذ. وقدمت الأحزاب الثلاثة سرديةً متفائلة حول ما تحقق، لكنها تدرك – أو يجب أن تدرك – أن الشارع ينتظر من السياسة نتائج لا خطابات، ومن التحالفات أفعالًا لا بيانات مشتركة.
وبين واقع اجتماعي يضغط، ومحيط دولي متحول، تظل أعين المراقبين متجهة نحو قدرة الحكومة على الصمود، ليس فقط سياسيًا، بل مجتمعيًا وتنمويًا، في أفق 2026.





