
الفيضانات بين خطاب الخبراء ومساءلة السياسة… أي توازن في زمن الأزمات؟
الرباط: إستثمار
في خضم الكوارث الطبيعية، لا يكون التحدي تقنياً فقط، بل تواصلياً وسياسياً أيضاً. وفي هذا السياق، أكد نزار بركة، وزير التجهيز والماء، أن وزارته كانت “حاضرة بقوة” خلال الفيضانات التي شهدتها عدة مناطق، مشيراً إلى أن المسؤولين عملوا على التواصل وتقديم المعطيات الضرورية، مع الحرص على إبراز الخبراء في الواجهة وتفادي أي تأويل أو تقييم سياسي للخطاب، بدعوى أن المرحلة كانت تقتضي تقديم معلومة موضوعية بعيدة عن الشد والجذب.
هذا الطرح يفتح الباب أمام قراءة مقارنة بين منطقين في تدبير الأزمات: منطق تقني يركز على الأرقام والمعطيات العلمية، ومنطق سياسي يُخضع الحدث للنقاش العمومي والمساءلة. فاختيار إبراز الخبراء بدل السياسيين يعكس توجهاً يروم تحصين الخطاب الرسمي من التجاذبات، لكنه في المقابل يطرح سؤالاً حول حدود الفصل بين التقني والسياسي في قضايا ترتبط بتدبير الشأن العام، وتمس بشكل مباشر حياة المواطنين وممتلكاتهم.
الأرقام التي قدمها الوزير تعكس بالفعل وضعاً مناخياً استثنائياً؛ إذ بلغ معدل التساقطات المطرية منذ شتنبر حوالي 150 ملم، بزيادة 35 في المائة مقارنة بالمعدل السنوي المسجل منذ تسعينيات القرن الماضي. كما أن الكميات المسجلة تضاعفت ثلاث مرات مقارنة بالسنة الماضية، وهو فائض يتجاوز المعدلات الطبيعية. هذه المعطيات توحي بأن ما وقع لا يدخل ضمن التقلبات المعتادة، بل في إطار تحولات مناخية أعمق وأشد حدة.
غير أن المقارنة لا تقف عند مستوى الأرقام، بل تمتد إلى كيفية تحويل هذه المعطيات إلى سياسات استباقية. فإذا كان فائض التساقطات يفسر جزئياً حجم الفيضانات، فإن السؤال المقابل يتعلق بمدى جاهزية البنيات التحتية، ونجاعة أنظمة تصريف المياه، ومستوى التنسيق بين مختلف المتدخلين. هنا يتداخل التقني بالسياسي، لأن الاستثمار في الوقاية والتجهيزات هو قرار سياسي بامتياز، حتى وإن نفذته أجهزة وخبرات تقنية.
كما أن تجنب “التقييم السياسي” للخطاب، كما أشار الوزير، قد يُقرأ من زاويتين متقابلتين: الأولى تعتبره حرصاً على تهدئة الأجواء ومنع توظيف الكارثة في المزايدات، والثانية ترى فيه محاولة لتقليص مساحة النقاش العمومي حول المسؤوليات. ففي التجارب المقارنة دولياً، تتحول الكوارث الطبيعية إلى لحظات مراجعة شاملة للسياسات العمومية في مجالات التعمير، والتخطيط الحضري، وتدبير الموارد المائية، وليس فقط إلى مناسبة لعرض الأرقام.
التحولات المناخية التي باتت تضاعف حدة الظواهر القصوى تفرض مقاربة جديدة تتجاوز منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق. وإذا كانت الأرقام المسجلة هذه السنة تؤكد طابع الاستثناء، فإن تكرار هذه الاستثناءات في السنوات الأخيرة يجعلها أقرب إلى قاعدة جديدة ينبغي التكيف معها. ومن هنا تبرز أهمية المقارنة بين ما يُقال في الندوات الرسمية وما يعيشه المواطن على الأرض من أضرار وخسائر.
في النهاية، يظهر أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في شرح حجم التساقطات أو إبراز دور الخبراء، بل في بناء ثقة عمومية قائمة على الشفافية والمساءلة، وربط الأرقام بالقرارات. فحين تتكلم الطبيعة بلغة الفيضانات، يصبح الخطاب الرسمي مطالباً بأن يجمع بين الدقة العلمية والجرأة السياسية، لأن إدارة الكارثة ليست مسألة تقنية صرفة، بل اختبار شامل لقدرة الدولة على حماية مواطنيها وتطوير سياساتها في مواجهة مناخ يتغير بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.





