
رأسمال بشري في خدمة التحول الرقمي: هل يرسم المغرب فعلاً ملامح مستقبل رقمي شامل؟

الرباط: إستثمار
في زمن تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي عالميًا، يبدو أن المغرب بات يُراهن، أكثر من أي وقت مضى، على الرأسمال البشري كقاطرة نحو تحقيق هدفه الطموح: “مغرب رقمي 2030”. هذا ما أكدت عليه أمل الفلاح السغروشني، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي، خلال زيارتها إلى مقر شركة “كابجيميني” بالدار البيضاء، أحد أكبر الفاعلين في مجال التكنولوجيا الرقمية بالمغرب.
لكن وراء الخطاب الرسمي الإيجابي، تبرز عدة تساؤلات حول مدى واقعية الرهان على الكفاءات، وتحديات إشراك القطاع الخاص في سياسة رقمية وطنية شاملة.
الوزيرة تحدثت بوضوح عن أهمية الشراكة مع القطاع الخاص، معتبرة أن “كابجيميني” تمثل نموذجًا يحتذى في هذا المجال. ومن خلال برنامج JobInTech، الذي يستهدف تكوين الشباب الجامعيين في مجالات مثل الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، يظهر بجلاء أن المغرب بدأ ينسج روابط استراتيجية بين التعليم والتشغيل في المجال الرقمي.
لكن السؤال المطروح: هل تكفي هذه المبادرات المجزأة لتأطير تحول رقمي شامل؟
وهل يمكن لبرامج تكوينية قصيرة أن تعوّض ضعف التكوين الجامعي الأساسي في مجالات STEM (العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات)؟
في خطوة نوعية، أكدت الوزيرة قرب إطلاق برنامج marrainage (مرافقة مهنية) يستهدف دعم إدماج الشابات المغربيات في مهن تكنولوجيا المعلومات، وهي بادرة تستجيب لتحديات واقعية، إذ تُظهر تقارير دولية أن النساء ما زلن ممثلات بشكل ضعيف في قطاع التكنولوجيا بالمغرب، رغم امتلاكهن لمؤهلات أكاديمية لا تقل عن نظرائهن من الذكور.
هذه المبادرة تُحسب للوزارة، لكن نجاحها مرهون بمدى قدرتها على توسيع الوعي المجتمعي بأهمية المساواة الرقمية، وتجاوز العوائق الثقافية والمؤسساتية التي تحد من مشاركة النساء.
اللقاء الوزاري جرى بالدار البيضاء، وهو ما يُعيد إلى السطح إشكالية المركزية في السياسات الرقمية. فمعظم البرامج تتركز في المدن الكبرى، ما يُضعف العدالة المجالية ويُقصي كفاءات كامنة في الجهات الأقل استفادة من البنية التحتية الرقمية.
الحديث عن توسيع برامج التكوين إلى باقي جهات المملكة يبقى مجرد إعلان نوايا، ما لم يُرفق بميزانيات واضحة، وأجندة تنفيذية دقيقة.
الاعتماد المتزايد على شركات تكنولوجيا مثل كابجيميني قد يكون سلاحًا ذو حدين. فمن جهة، تُوفر هذه الشركات الخبرة والتمويل والتكوين السريع. ومن جهة أخرى، قد تؤدي الشراكة غير المتوازنة إلى خصخصة غير معلنة لوظيفة التكوين والإدماج المهني، ما يجعل الدولة في موقع تابع بدل أن تكون صاحبة السيادة على الرؤية الرقمية الوطنية.
مبادرة “JobInTech”، ودعم إدماج النساء، وتوسيع التكوينات، كلها مؤشرات على أن المغرب يسعى فعلاً إلى صناعة رأسمال بشري رقمي مؤهل. لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه المبادرات من حالات معزولة إلى سياسة عمومية شاملة.
إذا أراد المغرب فعلاً أن يبني مستقبله الرقمي، فعليه:
دمقرطة التكوين الرقمي ليشمل جميع الجهات.
تعزيز الشفافية في اختيار الشركاء من القطاع الخاص.
دمج السياسات الرقمية مع إصلاحات التعليم العالي.
تقوية الحوكمة الرقمية لمواجهة التحديات السيبرانية.
التحول الرقمي ليس فقط “مشروع تكوين”، بل هو رهان سيادي يرتبط بمستقبل الاقتصاد والعدالة والاندماج الوطني.





