سجال دستوري بين عمارة ووهبي: هل يُقصى المجتمع المدني من معركة حماية المال العام؟

الرباط: إستثمار

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الحقوقية والسياسية، خرج عبد القادر عمارة، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، برد مباشر على تصريحات وتوجهات وزير العدل والحريات، عبد اللطيف وهبي، بشأن التعديلات المقترحة على المادة 3 من قانون المسطرة الجنائية، والتي تهدف إلى منع جمعيات المجتمع المدني من إحالة ملفات اختلالات المالية العمومية على أنظار النيابة العامة.

عمارة، المعروف بتحفظه المؤسسي لم يتردد هذه المرة في تسجيل موقف حاسم، معتبراً أن هذا التعديل “يتنافى بشكل صريح مع روح ومقتضيات الفصل 118 من دستور المملكة”، الذي ينص على الحق في اللجوء إلى القضاء كضمانة أساسية للمواطنين والمؤسسات، بما فيها مكونات المجتمع المدني.

رسائل دستورية بين السطور

الفصل 118 من الدستور المغربي جاء صريحاً في ضمان ولوج كل شخص للقضاء للدفاع عن حقوقه ومصالحه التي يحميها القانون. وبالتالي، فإن قصر هذا الحق فقط على السلطات الرسمية في ما يخص قضايا اختلال المال العام، يُعد – بحسب عمارة – تراجعاً عن المكتسبات الدستورية التي رسخها دستور 2011 بعد الحراك الاجتماعي والسياسي الذي عرفه المغرب.

تصريحات عمارة تؤشر على قلق مؤسساتي عميق من تداعيات هذا التعديل، خاصة في ظل الحاجة إلى تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، التي تشكل إحدى ركائز النموذج التنموي الجديد الذي دعا إليه الملك محمد السادس.

ضرب للمردودية وتهديد للعدالة المجالية

أكثر ما يُقلق من هذا التوجه حسب مراقبين هو أن إقصاء المجتمع المدني من دور التبليغ والمتابعة سيؤدي إلى إضعاف مردودية السياسات العمومية، ويفتح الباب أمام الإفلات من العقاب في قضايا الفساد وتبديد المال العام.

ويذهب عمارة في قراءته إلى أن هذا التعديل لا يمس فقط مبدأ المشاركة بل يهدد كذلك فلسفة العدالة المجالية، أي التوزيع العادل للثروة والفرص بين مختلف الجهات والمناطق. فحين يُحاصر المجتمع المدني ويُكبح دوره الرقابي، تصبح التنمية مجالاً حصرياً للسلطة، بلا مساءلة ولا شراكة حقيقية.

السجال القانوني والسياسي: بداية لمواجهة مؤسسية؟

السجال المفتوح بين رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي ووزير العدل يكشف عن بداية مواجهة مؤسساتية قد تتسع رقعتها، خصوصاً مع دخول الفاعلين الحقوقيين والأحزاب السياسية على الخط، في معركة لا تمس فقط القانون، بل فلسفة الحكامة والديمقراطية التشاركية التي شكلت أحد وعود الانتقال الديمقراطي في المغرب.

الأسئلة اليوم باتت أكثر إلحاحاً: هل يحق للمجتمع المدني أن يكون طرفاً في حماية المال العام؟ وهل من مصلحة الدولة أن تغلق هذا الباب في وجهه؟ أم أن الأمر يتعلق فقط بمحاولة “ضبط” قنوات التبليغ لتفادي “تسييس” بعض الملفات؟

خلاصة: معركة المال العام ليست تقنية فقط

ما يبدو اليوم كجدل قانوني تقني، هو في جوهره نقاش سياسي ومجتمعي حول طبيعة الدولة التي يريدها المغاربة: دولة منفتحة بشراكة موسعة مع مجتمعها المدني؟ أم دولة مركزية تحتكر كل قنوات التدخل والمحاسبة؟

ردّ عمارة لم يكن فقط تحفظاً دستورياً، بل إنذار مبكر لما قد يتحول إلى أزمة ثقة مؤسساتية، إن لم يتم استدراك الأمر وتوسيع دائرة الحوار حول هذه التعديلات التشريعية الحساسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى