
حرية الصحافة بين المطرقة الاقتصادية وسندان السلطة: أين يقف المغرب في خريطة العالم؟

الإعلام المغربي رهينة ميزانيات دعائية غامضة، أو دعم انتقائي يُمنح حسب درجة الولاء.
الرباط إدريس بنمسعود
في ظل صدور التصنيف العالمي لحرية الصحافة لسنة 2025 عن منظمة “مراسلون بلا حدود”، أضحى واضحاً أن حرية الصحافة لم تعد مهددة فقط بالرقابة المباشرة أو التضييق السياسي، بل باتت تقف على أرضية هشة بفعل الانهيار الاقتصادي المتزايد لوسائل الإعلام.
هذا التحول الخطير يجعل من الاقتصاد أداة خفية لتكميم الأفواه، وأحد أبرز التحديات التي تقف في وجه استقلالية الإعلام ليس فقط في الدول الاستبدادية، بل حتى في الأنظمة الديمقراطية الهشة، مثل المغرب.
رغم أن المغرب لا يصنَّف ضمن أكثر البلدان قمعاً للصحافة، إلا أن وضعه في التصنيف لا يزال يتدهور، حيث يُظهر المؤشر الاقتصادي، أحد أبرز محاور التصنيف، تقهقراً ملحوظاً.
فوسائل الإعلام المغربية سواء المكتوبة أو الرقمية تعاني من ضعف هيكلي في التمويل، ما يجعلها عرضة للابتزاز الاقتصادي، ومرتهنة لإعلانات مدفوعة الأجر من مؤسسات عمومية أو فاعلين اقتصاديين تربطهم مصالح بالسلطة السياسية.
السلطة في المغرب لا تحتاج إلى فرض رقابة مباشرة أو اعتقال كل صحفي مزعج إذ يكفيها أن تتحكم في مصادر التمويل، أو أن تترك الصحافة تتخبط في سوق لا يُنتج إلا الرداءة أو التبعية. فمن دون دعم عمومي شفاف ومنصف، ومن دون قوانين تضمن التعددية وتحمي الصحفيين من الطرد التعسفي أو الفقر الممنهج، تتحول حرية التعبير إلى شعار أجوف.

وعند مقارنة الوضع المغربي مع دول أوروبية مثل السويد أو فنلندا نجد أن هذه البلدان لا تعتمد فقط على تقاليد ديمقراطية راسخة، بل أيضاً على نماذج دعم اقتصادي مستقرة وشفافة، تُمكن المؤسسات الصحفية من الاستمرار في أداء دورها الرقابي والنقدي دون خوف من الإفلاس أو الإقصاء.
في المقابل نجد أن معظم الدول الإفريقية، وعلى رأسها المغرب، تُبقي الإعلام رهينة ميزانيات دعائية غامضة، أو دعم انتقائي يُمنح حسب درجة الولاء.
التصنيف العالمي لعام 2025 يُظهر أن أكثر من 160 دولة من أصل 180 لم تستطع ضمان استقرار مالي لوسائل إعلامها. وفي أكثر من ثلث هذه الدول، تم إغلاق مؤسسات إعلامية بشكل متكرر. المغرب، وإن لم يعرف إغلاقاً منهجياً للصحف كما في بعض الأنظمة القمعية، إلا أنه شهد اختفاء تدريجياً لعشرات المنابر التي عجزت عن مواصلة العمل في غياب منظومة تمويل تضمن الاستمرارية والاستقلالية.
كما يُعاني القطاع من ظاهرة التمركز الإعلامي حيث أصبحت مؤسسات محدودة تمتلك وسائل إعلامية متعددة، ما يُقوض التعددية ويُضعف الأصوات المستقلة.
أضف إلى ذلك أن معظم المؤسسات الإعلامية الكبرى ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بمصالح اقتصادية أو سياسية نافذة، ما يجعل الخط التحريري موجهاً، خاضعاً لحسابات لا علاقة لها بالمهنة.
إن حرية الصحافة لا يمكن اختزالها في عدد الصحفيين المعتقلين أو عدد المقالات المنشورة. هي أولاً مسألة بنيات، وإرادة سياسية، ومنظومة دعم. إن إفقار الصحفيين، وترك المؤسسات الإعلامية تُصارع من أجل البقاء، هو شكل آخر من أشكال الإخضاع، قد يكون أكثر فاعلية من الرقابة الصريحة.
لذا، إذا كان المغرب يريد فعلاً تحسين تصنيفه وضمان حرية تعبير حقيقية، فعليه أن يباشر إصلاحاً عميقاً في البنية الاقتصادية للإعلام، بدءاً من وضع آلية دعم عمومي شفافة، مروراً بضمان استقلالية الإشهار العمومي، وانتهاءً بسن قوانين تقي من التمركز وتحمي التعددية.
إن الصحافة ليست ترفاً ديمقراطياً بل ضرورة مجتمعية وأي مجتمع يُفرغها من مضمونها يُفرغ معه فكرة الرقابة والمحاسبة ويخسر بذلك إحدى أهم أدوات التوازن بين السلطة والمجتمع.





