
تمارة بين الاحتجاج والفوضى: حين يضيع صوت المطالب وسط الحجارة
تمارة: إستثمار
ما وقع بمدينة تمارة مساء أمس، وبالضبط بمدارة ميلانو بحي المسيرة 2، يكشف عن تحول خطير للاحتجاج من تعبير سلمي مشروع إلى فوضى منفلتة تهدد السلم الاجتماعي. فالمشهد الذي عاشه سكان أحياء طارق بن زياد ومولاي علي الشريف لم يكن سوى صورة مقلقة: حجارة تتطاير في كل اتجاه، سيارات محطمة، ممتلكات خاصة مخربة، ومواطنون وأفراد من الأمن والقوات المساعدة يتعرضون للرشق والإصابة.
هذا الانزلاق يعكس مأزقاً مزدوجاً: فمن جهة هناك مطالب اجتماعية عادلة في الصحة والتعليم وفرص العيش الكريم، ومن جهة ثانية هناك انحراف خطير عن الوسائل السلمية يجعل تلك المطالب تفقد مشروعيتها وتتحول في أعين الرأي العام إلى مجرد ذريعة للفوضى. إن من يعتقد أن التخريب وسيلة للضغط، يغفل أن الفوضى لا تُنتج إصلاحاً، بل تُعمّق الأزمة وتزرع الخوف والريبة بين الناس.

المثير للقلق أن مثل هذه الأحداث تعطي انطباعاً بأن الشارع يمكن أن يتحول بسرعة إلى ساحة مواجهة، وهو ما يناقض جوهر الحق في الاحتجاج السلمي الذي يكفله الدستور. بل الأخطر أنها تفتح الباب أمام الشكوك بوجود أيادٍ خفية أو تحريض خارجي عبر منصات التواصل، في سياق دقيق يسبق استضافة المغرب لحدث قاري كبير ككأس إفريقيا للأمم.
التحليل الموضوعي يقودنا إلى خلاصة واضحة: لا يمكن فصل المطالب الاجتماعية عن آليات التعبير الحضاري. الإصلاح يحتاج إلى نقاش عمومي هادئ، وإلى قنوات مؤسساتية تُترجم الغضب الشعبي إلى سياسات فعلية، لا إلى شوارع تُغلق بالحجارة. فكل انحراف عن السلمية يضعف قوة المطالب، ويمنح مبرراً لتجاهلها.

إن ما وقع بتمارة ليس مجرد حادث عابر، بل رسالة إنذار للجميع: للمحتجين بضرورة العودة إلى جادة الصواب، وللسلطة بضرورة الإسراع في فتح حوار جاد حول قضايا الصحة والتعليم والشغل. فلا الأمن يتحقق بالفوضى، ولا الإصلاح يولد من التخريب. الطريق الوحيد لبناء المستقبل يمر عبر الحوار، والاحتكام إلى العقل، وإيمان جماعي بأن السلم هو الضامن الحقيقي لأي تغيير.





