مشروع قانون المالية 2026 بالمغرب: توازن صعب بين الطموح الاجتماعي وضبط العجز المالي

الرباط: إدريس بنمسعود

يشكل مشروع قانون المالية لسنة 2026 محطة حاسمة في مسار العمل الحكومي، إذ يأتي في ظرف اقتصادي دقيق داخلياً ودولياً، مطبوع بتقلبات الأسواق وارتفاع التكاليف التمويلية وتزايد الضغوط الاجتماعية. هذا المشروع، الذي قدمت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح خطوطه العريضة أمام الملك محمد السادس، يرسم ملامح ميزانية طموحة تسعى إلى الموازنة بين أهداف النمو الاقتصادي وترسيخ العدالة الاجتماعية والمجالية، مع الحفاظ على صلابة التوازنات المالية للدولة.

تتوقع الحكومة أن يسجل الاقتصاد الوطني نمواً في حدود 4.8% خلال سنة 2025، مع الإبقاء على معدل التضخم في مستوى معتدل لا يتجاوز 1.1%، وهي مؤشرات يُراد بها طمأنة المستثمرين والممولين على استقرار الوضع الماكرو-اقتصادي. غير أن المعادلة الكبرى التي تواجه المشروع تظل مرتبطة بالعجز المالي، الذي يُتوقع أن يبلغ حوالي 4.4% من الناتج الداخلي الخام، وهو مستوى يُظهر سعي الحكومة إلى تخفيضه تدريجياً دون التضحية بنفقات الاستثمار أو الخدمات الاجتماعية الأساسية.

وفي السياق ذاته تسعى وزارة الاقتصاد والمالية إلى الإبقاء على الضغط الضريبي في حدود 22%، بما يضمن تمويل السياسات العمومية دون إرهاق النسيج المقاولاتي أو إضعاف القدرة الشرائية للأسر. وتُراهن الحكومة على توسيع الوعاء الضريبي وتحسين المردودية الجبائية بدل اللجوء إلى زيادات ضريبية مباشرة، مع الاستمرار في إصلاح المنظومة الضريبية في اتجاه العدالة والإنصاف الضريبي بين الفئات والمجالات.

على مستوى النفقات خصص المشروع غلافاً مالياً مهماً للقطاعات الاجتماعية، حيث تم رفع ميزانية قطاع الصحة إلى نحو 42 مليار درهم مع إحداث آلاف المناصب المالية الجديدة، وتوجيه استثمارات كبيرة لقطاع التعليم والتكوين المهني باعتباره محركاً أساسياً لإدماج الشباب وتعزيز الرأسمال البشري. كما تمت برمجة اعتمادات إضافية لبرامج الدعم الاجتماعي المباشر وتعميم الحماية الاجتماعية وتوسيع التغطية التقاعدية، إلى جانب إطلاق برامج تنمية ترابية تستهدف المناطق الجبلية والواحات والجهات الأقل استفادة من الاستثمارات العمومية.

وفي الجانب الاقتصادي يواصل المشروع دعم الاستثمار الخاص والوطني عبر تفعيل ميثاق الاستثمار، وإعطاء أولوية للمشاريع الموجهة نحو القطاعات الخضراء والطاقات المتجددة والصناعة التصديرية، مع تسريع إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية وتحسين مناخ الأعمال. ويؤكد المشروع على ضرورة التحكم في نفقات التسيير، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العمومي لضمان توجيه الموارد نحو المشاريع المنتجة والمستدامة.

ورغم الطابع الطموح لهذه الميزانية، يواجه تنفيذها مجموعة من التحديات المرتبطة بكلفة التمويل الخارجي وتباطؤ الاقتصاد الأوروبي الشريك التجاري الأول للمغرب، إضافة إلى الحاجة إلى تسريع وتيرة الإصلاحات الإدارية والجبائية لضمان تحقيق الأهداف المعلنة. كما يثير خبراء الاقتصاد تساؤلات حول قدرة الحكومة على تحقيق التوازن بين ضبط العجز والحفاظ على زخم النمو الاجتماعي في ظل ارتفاع الدين العمومي واقترابه من مستويات حرجة.

في النهاية يعكس مشروع قانون المالية لسنة 2026 محاولة حقيقية لإعادة صياغة نموذج التنمية المغربي وفق منطق الدولة الاجتماعية المنتجة، التي تراهن على العدالة والاستثمار معاً، وتحاول بناء توازن صعب بين الطموحات الاقتصادية والالتزامات المالية. غير أن النجاح الحقيقي لهذا المشروع لن يُقاس بما تتضمنه صفحاته من أرقام، بل بمدى قدرة الحكومة على تحويل هذه الأرقام إلى إنجازات ملموسة يشعر بها المواطن في صحته، وتعليمه، ومعيشه اليومي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى