غضب الطبيعة: بين تجاهل التحذيرات وأزمة التكيف المناخي في المغرب

الرباط: نارمان بنمسعود

تتكرر مشاهد الدمار التي تخلفها الأمطار الغزيرة في المغرب مع كل منخفض جوي، لترسم مأساة متجددة تطرح أسئلة محرجة عن جدوى الإنذارات الجوية وفعالية سياسات التكيف مع التغيرات المناخية. المشهد لا يعكس مجرد صدفة مناخية عابرة، بل يكشف عن فجوة خطيرة بين التهديد المناخي المتسارع وبين استجابة المجتمع والدولة.

يشير التحليل إلى مفارقة مثيرة للقلق: بينما أصبحت النشرات الإنذارية أكثر دقة وتكرراً، فإن الخسائر البشرية والمادية تستمر في التضاعف. هذا التناقض يدفع نحو التشكيك في منطق التعامل مع الكارثة؛ فالنقاش تجاوز مسألة دقة التوقعات إلى أزمة ثقة وغياب ثقافة وقائية. الخبراء يحذرون من أن البلاد تواجه واقعاً مناخياً جديداً يتسم بهجمات مطرية عاصفية ومركزة، تعيد ذاكرة مناخ الستينيات لكن بعنف أكبر. هنا تتحول النعمة المتمثلة في انقطاع الجفاف إلى نقمة تهدد الأرواح، ليس بسبب قوة الطبيعة فقط، بل بسبب هشاشة البنية التحتية وتهاون الأفراد.

التشخيص يكشف عن خلل مركب: من جهة، هناك استخفاف مجتمعي بالتحذيرات، يعتبر التنقل أثناء العواصف ومجاري الأودية مخاطرة مقبولة. ومن جهة أخرى، تبرز إخفاقات بنيوية في التخطيط الحضري والعمراني، حيث تغيب الدراسات الهيدرولوجية وتكنولوجيات التنبؤ الدقيق، مما يجعل التجمعات السكانية، خاصة حول الأودية وفي المنحدرات، عرضة للخطر مع أي تساقط استثنائي. العاصفة لا تكشف فقط عن قوة السماء، بل تعري ضعف الأرض وتقصير التدبير.

الرسالة الجوهرية التي يطلقها الخبراء تتجاوز الدعوة إلى الحذر المؤقت؛ فهي تحث على ثورة في التفكير والتدبير. المغرب مطالب بتحول استباقي جذري، ينتقل من ثقافة رد الفعل عند الكارثة إلى ثقافة الاستعداد الدائم. هذا يقتضي تحولاً مزدوجاً: بناء وعي مجتمعي يرى في الإنذار الجوي خطة عمل للبقاء وليس مجرد معلومة عابرة، وتبني سياسات عمومية ذكية تدمج معطيات المناخ في قلب التخطيط الترابي والبناء وتأهيل المجالات. آن الأوان ألا تذهب مياه الأمطار هدراً بين فيضانات تقتل وتدمر، وجفاف يهدد المصادر الحيوية. التحدي الحقيقي هو تحويل التهديد المناخي إلى فرصة لبناء صمود مجتمعي وحضري، قبل أن تتحول كل نشرة إنذارية إلى نعي متكرر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى