القروض الاستهلاكية في المغرب: حل وهمي لأزمة معيشية حقيقية أم محفز اقتصادي؟

الرباط: نارمان بنمسعود

يقدم الخبراء الاقتصاديون قراءتين متباينتين لظاهرة تزايد لجوء الأسر المغربية إلى القروض الاستهلاكية في ظل غلاء المعيشة، حيث تتوزع الآراء بين من يرى في هذا التوجه سلوكاً عقلانياً مؤقتاً ومن يرصد أعراض إجهاد مالي قد يقود إلى تعقيدات أعمق.

فبينما يصف إدريس الفينة موجة الغلاء بأنها “ظرفية ومؤقتة” مستدلاً بتراجع التضخم نهاية السنة الماضية، يغفل هذا التحليل عن حقيقة أن الأسعار لم تعد إلى مستوياتها السابقة، بل توقف ارتفاعها فقط، مما يعني أن القدرة الشرائية للأسر لا تزال منهكة بسبب تراكم فواتير المواد الأساسية كاللحوم التي ارتفعت أسعارها بشكل غير مسبوق.

أما تفسيره لارتفاع قروض الاستهلاك بالنمو الديموغرافي وزيادة عدد الأسر الجديدة، فيبدو تفسيراً جزئياً يتجاهل أن الأسر القائمة والمثقلة أصلاً بالديون هي أيضاً جزء من هذه الإحصاءات، وليس فقط العائلات الناشئة التي تحتاج إلى تجهيز مساكنها.

في المقابل، يقدم محمد جدري تحليلاً أكثر تشاؤماً وواقعية، حين يصف الآثار السلبية الملموسة على الطبقة المتوسطة والفقيرة التي تئن تحت وطأة قروض متعددة تشمل الدراسة والسيارات وتجهيز المنازل، متسائلاً إن كانت هذه الأسر قد بلغت سقف طاقتها الاقتراضية.

وهنا يبرز تناقض خطير في المقال: فبينما يروج جدري في جزء لاحق من تحليله لفكرة أن القروض الاستهلاكية “رافعة أساسية للاقتصاد” و”محرك يضمن استدامة الطلب”، فإنه يقر في الوقت نفسه بأن عجز الأسر عن الاقتراض المنظم قد يدفعها إلى “القروض غير المهيكلة” كالقروض العائلية أو بين الأصدقاء، معتبراً إياها غير مفيدة للاقتصاد الوطني.

هذا الطرح يكشف عن أزمة جوهرية: الاقتصاد المغربي بات يراهن على استدامة استهلاك الأسر عبر الاقتراض، وكأن تعويض تراجع القوة الشرائية بالديون هو الحل السحري، دون معالجة الأسباب الجذرية للغلاء.

وما يثير القلق حقاً هو غياب أي حديث عن دور السياسات الحكومية في مراقبة الأسعار أو دعم الفئات الهشة، أو حتى عن مستويات الفائدة البنكية التي تجعل من القروض عبئاً إضافياً وليس متنفساً حقيقياً. يبقى السؤال الأهم دون إجابة: هل يمكن لاقتصاد أن ينمو بشكل صحي على ظهور أسر ترهن مستقبلها المالي لشراء الضروريات اليومية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى