
حين سبقت لندن بروكسيل: هل تكفي الرقمنة لإعادة الاعتبار لكرامة طالبي التأشيرة المغاربة؟
الرباط: إستثمار
أثار قرار المملكة المتحدة اعتماد التأشيرة الإلكترونية بشكل رسمي موجة تفاعل في المغرب، لم تقتصر على الترحيب بالإجراء في حد ذاته، بل تحولت إلى دعوة صريحة موجهة إلى دول الاتحاد الأوروبي لاتخاذ خطوة مماثلة. غير أن المقارنة بين النموذج البريطاني والواقع الأوروبي تكشف أن الرهان لا يتعلق فقط باستبدال الملصق الورقي بوثيقة رقمية، بل بإعادة النظر في فلسفة تدبير التأشيرات برمتها.
فإعلان سفارة لندن بالرباط، ابتداء من 25 فبراير 2026، اعتماد التأشيرة الإلكترونية حصرياً عوض الملصقات التقليدية على جوازات السفر، يمثل من الناحية التقنية انتقالاً من منطق الحضور المادي والوثيقة الملموسة إلى منطق المعالجة الرقمية المتكاملة. هذا التحول يُفترض أن يختصر الزمن الإداري، ويقلص الاحتكاك المباشر، ويحد من تكاليف التنقل والانتظار، خاصة بالنسبة للفئات التي ترتبط بسفر متكرر أو مستعجل.
في هذا السياق، يرى فاعلون مدنيون أن الرقمنة يمكن أن تشكل متنفساً حقيقياً لفئات بعينها: مرضى الأمراض المزمنة الذين يضطرون للسفر المتكرر للعلاج، مهنيون مقيدون بمواعيد قصيرة لا تحتمل تأخراً بيروقراطياً، وطلبة وباحثون قد تضيع فرصهم الأكاديمية بسبب بطء المساطر. بالمقارنة مع النظام التقليدي، تبدو التأشيرة الإلكترونية أقرب إلى منطق الخدمة العمومية الحديثة التي تراعي عنصر الزمن كقيمة أساسية.
غير أن التجربة الأوروبية في تدبير التأشيرات، حتى في صورتها الحالية، تكشف أن الإشكال أعمق من مجرد وسيط إداري. فعدد من طالبي التأشيرات نحو فضاء شنغن يشتكون من ارتفاع الرسوم، طول آجال المعالجة، تدخل الوسطاء، وضعف تعليل قرارات الرفض، إضافة إلى محدودية فعالية الطعون. وعليه، فإن اعتماد نموذج رقمي دون إصلاح المعايير والإجراءات قد ينقل التعقيد من الشباك إلى الشاشة فقط.
المقارنة بين الخطوة البريطانية والممارسات الأوروبية تبرز اختلافاً في المقاربة: الأولى تبدو متجهة نحو تبسيط تقني مباشر يراهن على تقليص الاحتكاك والإجراءات، بينما الثانية ما تزال محكومة بتوازنات أمنية وهواجس الهجرة غير النظامية، ما يجعل من التأشيرة أداة ضبط أكثر منها خدمة إدارية. من هنا يطرح السؤال: هل الرقمنة في السياق الأوروبي ستكون أداة تسريع وإنصاف، أم مجرد طبقة تقنية إضافية فوق منظومة مشددة أصلاً؟
الفاعلون الحقوقيون في المغرب يذهبون أبعد من الإشادة بالتحول الرقمي، معتبرين أن الكرامة الإجرائية لا تتحقق بالرقمنة وحدها، بل بضمان الشفافية، ووضوح المعايير، وحق الطعن الفعلي، وحماية المعطيات الشخصية، وعدم التمييز. فالتجارب السابقة أظهرت أن معاناة طالبي التأشيرات لا ترتبط فقط بالوثائق الورقية أو الحضور الجسدي، بل أيضاً بالشعور بعدم اليقين أمام قرارات غير معللة أو آجال غير مبررة.
من هذا المنظور، تبدو دعوة اعتماد التأشيرة الإلكترونية في أوروبا مشروطة بإصلاح أعمق: مراجعة شاملة لمنظومة التأشيرات تجعل من الرقمنة وسيلة للعدالة الإجرائية لا غاية في حد ذاتها. فبين نموذج بريطاني يختبر الانتقال الكامل إلى الرقمي، ونظام أوروبي مطالب بإعادة بناء الثقة مع طالبي التأشيرات، تظل المسألة الحقيقية هي كيف يمكن تحويل التكنولوجيا إلى جسر إنساني، لا مجرد أداة إدارية أكثر حداثة.





