رمضان تحت ضغط الغلاء: حين تتحول موائد الإفطار إلى اختبار قاسٍ للقدرة الشرائية

الرباط: نارمان بنمسعود

مع حلول الأيام الأولى من شهر رمضان، عادت الأسواق المغربية لتكشف مفارقة مزعجة: وفرة في العرض تقابلها قفزة في الأسعار، حتى باتت بعض المواد الغذائية خارج متناول فئات واسعة من المواطنين. لم يعد الأمر يتعلق بارتفاع عابر أو موسمي، بل بات يعكس اختلالًا أعمق في بنية السوق وآليات الضبط، حيث تتحول المناسبة الدينية ذات البعد الاجتماعي والتضامني إلى موسم يثقل كاهل الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.

في هذا السياق، اعتبر علي لطفي، رئيس الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الحياة، أن المستهلك المغربي يعيش حالة “اختناق حقيقية”، خاصة في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار المواد الأساسية واسعة الاستهلاك. هذا التوصيف لا يقتصر على الانطباع العام، بل يجد صداه في واقع يومي تُترجمه سلوكيات استهلاكية جديدة، أبرزها عزوف الأسر عن اقتناء منتجات كانت إلى عهد قريب جزءًا من المائدة الرمضانية، ولو باعتدال.

تحليل هذا الوضع يبرز أن الإشكال لا يكمن فقط في منسوب الأسعار، بل في تآكل القدرة الشرائية بوتيرة أسرع من تحسن الدخل. فالمواطن، كما يصفه لطفي، يوجد “بين المطرقة والسندان”: تضخم يضغط على المصاريف اليومية، مقابل بطالة مقلقة وإغلاق عدد من المقاولات الصغيرة والمتوسطة والصغيرة جدًا، بما يواكبه من فقدان مناصب الشغل وتراجع فرص الاندماج الاقتصادي. هذه الحلقة المفرغة تعمق الفجوة بين الخطاب الرسمي حول مؤشرات الاستقرار والتحكم في التضخم، وبين الإحساس المعيشي المتنامي بالضيق والعسر.

اللافت أن ما وُصف بـ”فوضى الأسعار” لا يهم مواد كمالية أو ثانوية، بل يمتد إلى اللحوم والخضر والفواكه والزيت والسكر والدقيق، أي إلى أساسيات السلة الغذائية. وهو ما يطرح سؤالًا حول فعالية آليات المراقبة والتتبع، وحول مدى نجاعة تدخلات الدولة في فترات الذروة الاستهلاكية. فالتجربة تبين أن منطق السوق، حين يُترك دون ضبط صارم، يفسح المجال لممارسات احتكارية ومضاربات ظرفية، تتغذى من ارتفاع الطلب الموسمي.

من هنا تتعالى الدعوات إلى تفعيل أدوار مؤسسات الحكامة الاقتصادية، وفي مقدمتها مجلس المنافسة، للحد من أي تواطؤات أو ممارسات تخل بقواعد المنافسة الشريفة. غير أن الإشكال يتجاوز الزجر الظرفي إلى الحاجة لسياسة استباقية تضمن وفرة العرض، وتؤطر سلاسل التوزيع، وتعزز الشفافية في تحديد هوامش الربح، خصوصًا في فترات حساسة مثل رمضان.

كما يفرض الواقع التفكير في أدوات أكثر جرأة، من قبيل تسقيف أسعار بعض المواد الحيوية بشكل مؤقت، أو توجيه دعم مباشر ومحدد للفئات الهشة والمتوسطة، بدل الاكتفاء بإجراءات عامة قد لا تصل آثارها إلى المستهدفين الحقيقيين. فالحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية لا ينبغي أن يتم على حساب التوازن الاجتماعي، ولا يمكن الحديث عن استقرار اقتصادي في ظل شعور متنامٍ بعدم الأمان المعيشي.

إن اختبار رمضان هذا العام لا يتعلق فقط بقدرة الأسر على ملء موائدها، بل بقدرة السياسات العمومية على تحقيق معادلة دقيقة بين حرية السوق وحماية المستهلك، وبين منطق الربح وضمان الكرامة. فإما أن يُعاد ضبط البوصلة بما يعيد الثقة للمواطن، أو يستمر الغلاء في ترسيخ شعور بأن المواسم الدينية تحولت إلى مواسم ضغط اقتصادي مضاعف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى