المغرب على مفترق طرق: الأمن الغذائي في مواجهة ندرة المياه

الرباط: ريم بنكرة

لم يعد الأمن الغذائي في المغرب مجرد معادلة إنتاجية بسيطة، بل تحول إلى قضية وجودية تتشابك فيها ندرة المياه مع تقلبات المناخ وهشاشة الأسواق العالمية. فبينما طالما شكل الاكتفاء الذاتي حجر الزاوية في العقد الاجتماعي والاستراتيجية التنموية للمملكة، ها هي التحولات المناخية والضغوط الديموغرافية تعيد تشكيل هذه المعادلة من جذورها، لتضع البلاد أمام مفترق طرق حاسم.

لطالما ربطت الحكومات المغربية المتعاقبة مفهوم الأمن الغذائي بتحقيق الاكتفاء الذاتي في المحاصيل الأساسية كالحبوب والسكر والزيوت. كان هذا النهج، كما تشير تحليلات منصة “إس بي آي أونلاين” الإيطالية، مفهوماً في سياقه التاريخي الهادف إلى ترسيخ السيادة وحماية البلاد من الصدمات الخارجية. لكن السؤال المطروح اليوم لم يعد يتعلق فقط بإمكانية إنتاج المزيد محلياً، بل بقدرة المغرب على بناء نظام غذائي مرن يضمن وفرة الغذاء وتوفره بتكلفة معقولة، في بيئة تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.

يظل القطاع الفلاحي ركيزة أساسية في المجتمع المغربي، إذ يشغل نحو ثلث اليد العاملة ويؤمن مصادر العيش لحوالي 61% من السكان في الوسط القروي. ورغم هذه الأهمية الاجتماعية، تبقى مساهمته في الاقتصاد متقلبة، حيث لا تتجاوز 10% من الناتج الداخلي الإجمالي، وقد شهدت القيمة المضافة الفلاحية تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة بسبب الظروف المناخية غير المواتية. وتتوزع المساحة الزراعية المستغلة البالغة 8.7 ملايين هكتار بين زراعة بورية تعتمد على التساقطات المطرية، ومحاصيل كالحبوب تستأثر بثلثي الأراضي المزروعة رغم مردوديتها الاقتصادية المتواضعة مقارنة باستهلاكها للمياه.

لكن التحدي الأكبر يكمن في ندرة المياه التي باتت القيد الأكثر إيلاماً في مسار الأمن الغذائي. فحصة الفرد من الموارد المائية المتجددة انهارت من أكثر من 2500 متر مكعب سنوياً في الستينيات إلى حوالي 620 متراً مكعباً فقط اليوم. وعلى الرغم من عقود من الاستثمارات الضخمة في سياسة السدود ومشاريع الري، إلا أن هذه السياسات ركزت على توسيع العرض دون معالجة حقيقية لإشكالية الطلب أو فرض رقابة فعالة على استنزاف المياه الجوفية. بل إن تقنيات الري بالتنقيط، التي كان مفترضاً أن توفر المياه، أفضت أحياناً إلى نتائج عكسية حين أدت مكاسب الكفاءة في الحقول الفردية إلى زيادة إجمالي الاستهلاك على مستوى الأحواض المائية.

هذا الواقع انعكس بشكل جلي على قدرة المغرب على تحقيق اكتفاء ذاتي مستقر، خاصة في المحاصيل الاستراتيجية. فبينما تراجعت نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح من أكثر من 80% في السبعينيات إلى حوالي 60% حالياً، يتأرجح الإنتاج الموسمي بشكل حاد تبعاً لتقلبات التساقطات المطرية. ويظل المغرب مندمجاً بقوة في الأسواق العالمية، حيث بلغت وارداته من المنتجات الفلاحية حوالي 49 مليار درهم في 2024، مدفوعة أساساً باستيراد الحبوب. وفي المقابل، تواصل الصادرات الفلاحية توسعها لتبلغ أرقاماً قياسية، مدفوعة بالمحاصيل المسقية الموجهة للأسواق الخارجية، مما يعكس توتراً بنيوياً في صميم النظام الغذائي المغربي.

إن المعادلة الجديدة للأمن الغذائي لم تعد تقاس فقط بكمية الإنتاج أو حجم التبادل التجاري، بل تتأثر أيضاً باللامساواة الاجتماعية. فمع أن أكثر من 70% من الضيعات الفلاحية تقل مساحتها عن خمسة هكتارات، إلا أنها لا تسيطر إلا على ربع الأراضي الزراعية. وهذا التفاوت يضعف القدرة الجماعية على بناء منظومة غذائية مرنة وشاملة، قادرة على الصمود في وجه التحديات المناخية والضغوط الديموغرافية المتزايدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى