حين تكشف “مكناس الفلاحية” هشاشة الانسجام الحكومي: من دعم الأغنام إلى صراع الأرقام والنوايا

الرباط: إستثمار

لم يعد المعرض الدولي للفلاحة بمكناس مجرد واجهة لعرض نجاحات السياسات الفلاحية، بل تحول إلى مرآة تعكس توتراً سياسياً متنامياً داخل الأغلبية، حيث انفجر خلاف علني بين مصطفى بايتاس ونزار بركة حول كلفة دعم استيراد المواشي، في لحظة كان يفترض أن تُبرز تماسك الخطاب الحكومي لا تصدّعه.

المواجهة لم تكن مجرد اختلاف تقني حول الأرقام، بل كشفت عن صراع سرديات؛ فبين رقم رسمي لا يتجاوز 437 مليون درهم ورقم سياسي يصل إلى 13 مليار درهم، يتضح أن المعركة تتجاوز الحسابات إلى رهانات التأثير والرأي العام. تصريح بايتاس، الذي شكك في مصداقية الأرقام المتداولة وهاجم ما سماه “تضخيمًا غير دقيق”، حمل نبرة دفاعية عن الحصيلة الحكومية، لكنه في الوقت ذاته عكس ارتباكاً في تدبير التواصل، خاصة حين تُواجه الحكومة نفسها بخطاب من داخلها.

في المقابل، لم يكن طرح بركة معزولاً، بل وجد صداه لدى رياض مزور، الذي أثار بدوره مسألة تركّز الاستفادة في يد عدد محدود من المستوردين، ما يفتح النقاش حول شفافية المنافسة وعدالة توزيع الدعم. غير أن هذا الطرح سرعان ما ووجه بنفي من رشيد الطالبي العلمي، الذي قدّم رواية مغايرة تقلل من حجم الدعم وعدد المستفيدين، وهو ما عمّق صورة التباين داخل الفريق الحكومي بدل احتوائه.

ما يكشفه هذا السجال ليس فقط تضارب الأرقام، بل غياب رواية حكومية موحدة قادرة على إقناع الرأي العام، في سياق اقتصادي حساس يرتبط بالأمن الغذائي والقدرة الشرائية.

فحين تتحول الأرقام إلى أدوات للتجاذب السياسي، يفقد النقاش جوهره التقني ويصبح أقرب إلى تصفية حسابات انتخابية مبكرة.
الأخطر أن هذا الخلاف خرج إلى العلن من منصة رسمية يفترض أن تُستخدم لتثمين السياسات العمومية، ما يعكس صعوبة الحفاظ على الانضباط الحكومي مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة. فكل طرف بات يسعى إلى تمييز موقعه السياسي، حتى لو كان الثمن إضعاف صورة الانسجام الجماعي.

في النهاية، لم يعد السؤال المطروح هو كم كلف دعم استيراد الأغنام، بل كيف تحوّل هذا الملف إلى مؤشر على أزمة ثقة داخل حكومة تبدو منقسمة بين خطاب تقني يسعى إلى التهدئة وخطاب سياسي يميل إلى التصعيد، في مشهد يعيد طرح إشكالية تدبير الخلافات داخل السلطة أكثر مما يجيب عن إشكاليات تدبير السياسات نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى