رقمنة مُكلفة: حين تلتهم عمولات الدفع الإلكتروني أرباح التاجر الصغير

الرباط: ريم بنكرة

يُقدَّم الدفع الإلكتروني عادة كعنوان للتحديث والانخراط في الاقتصاد الرقمي، لكن قراءة أقرب لواقع التجارة الصغيرة في المغرب تكشف مفارقة لافتة: نفس الأداة التي يُفترض أن تسهّل المعاملات قد تتحول إلى عبء مالي يهدد توازن نشاط هش أصلاً. فتصريحات وزير الصناعة والتجارة رياض مزور تعيد توجيه النقاش من سؤال “رفض التكنولوجيا” إلى إشكال أعمق يرتبط ببنية الربحية في التجارة اليومية.

في الظاهر، يبدو أن السوق المغربية قطعت أشواطاً مهمة في توفير حلول الدفع الرقمي، غير أن المقارنة بين تطور العرض الرقمي وضعف تبنيه من طرف التجار الصغار تكشف خللاً في المعادلة الاقتصادية.

فالتاجر الذي يشتغل بهامش ربح لا يتجاوز في أفضل الحالات 2 إلى 4 في المائة، يجد نفسه أمام كلفة خدمة قد تلتهم نصف هذا الهامش أو أكثر، ما يجعل اعتماد الدفع الإلكتروني قراراً غير عقلاني من زاوية حسابية بحتة، وليس موقفاً محافظاً تجاه التكنولوجيا كما يُروَّج أحياناً.

هذا التفاوت بين كلفة الخدمة وضعف الربحية يفسر بطء التحول الرقمي في هذا القطاع، ويبرز أن الإشكال ليس تقنياً بل هيكلياً. فبينما تستفيد الشركات الكبرى من اقتصاد الحجم الذي يسمح بامتصاص التكاليف، يبقى التاجر الصغير مكشوفاً أمام أي اقتطاع إضافي، ما يجعل كل نسبة مئوية عاملاً حاسماً في استمرارية نشاطه.

اقتراح تخفيض كلفة الأداء الإلكتروني إلى حدود 0.8 في المائة يعكس محاولة لإعادة التوازن لهذه المعادلة، لكنه يفتح في المقابل نقاشاً أوسع حول من سيتحمل كلفة هذا التخفيض: هل هي المؤسسات المالية، أم مزودو الخدمات، أم الدولة عبر آليات دعم غير مباشرة؟ هنا تبرز مقارنة ضمنية مع تجارب دولية نجحت في تعميم الدفع الإلكتروني ليس فقط عبر الابتكار، بل عبر إعادة توزيع الكلفة بشكل عادل داخل المنظومة.

أما المقترح المرتبط برفع هامش الربح في بطاقات تعبئة الهاتف، فيعكس توجهاً نحو خلق “تعويضات متقاطعة” داخل النشاط التجاري، وهي آلية قد تبدو عملية على المدى القصير، لكنها تطرح تساؤلات حول استدامتها، خاصة إذا لم تُواكب بإصلاحات أعمق تمس بنية السوق وتكلفة الخدمات المالية.

في المقابل، يظل عامل السيولة أحد أبرز الإغراءات التي يقدمها الدفع الإلكتروني، حيث يتيح للتاجر الحصول على مستحقاته بشكل شبه فوري بدل الانتظار لأيام. غير أن هذه الميزة، رغم أهميتها، لا تبدو كافية لتعويض كلفة مرتفعة في بيئة تعتمد أساساً على دورة نقدية يومية سريعة.

في المحصلة، تكشف هذه المعطيات أن التحول الرقمي في التجارة الصغيرة بالمغرب ليس مجرد مسألة إرادة أو وعي، بل هو اختبار لقدرة السياسات العمومية على التوفيق بين منطق الابتكار ومتطلبات الواقع الاقتصادي. فبدون معالجة اختلالات الربحية، قد تظل الرقمنة شعاراً جذاباً، لكنها بعيدة عن أن تصبح ممارسة يومية لدى من يشكلون العمود الفقري للاقتصاد غير المهيكل وشبه المهيكل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى