ساعة مثيرة للجدل: هل آن الأوان لكسر صمت القرار وفتح نقاش وطني حول التوقيت الصيفي في المغرب؟

الرباط: ريم بنكرة

يتجدد الجدل في المغرب كل عام مع اقتراب نهاية شهر رمضان والعودة إلى العمل بالتوقيت الصيفي، وكأن المجتمع يدخل في حلقة نقاش موسمية لا تتغير ملامحها كثيراً. فبين احتجاجات متكررة في الفضاء العام وانتقادات متواصلة على منصات التواصل، يظل القرار العمومي ثابتاً تقريباً، ما يطرح سؤالاً أعمق يتجاوز مجرد تعديل الساعة: كيف تُتخذ السياسات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، وإلى أي حد يُفسح المجال لنقاش عمومي حقيقي حولها؟

في هذا السياق، يدعو باحثون وحقوقيون إلى إطلاق حوار وطني واسع في صيغة مناظرة عمومية تتناول مسألة التوقيت الصيفي، ليس باعتبارها تفصيلاً تقنياً في تدبير الزمن الإداري، بل قضية مجتمعية متعددة الأبعاد تتقاطع فيها الاعتبارات الصحية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية. فالنقاش، كما يرون، ظل محصوراً في ردود فعل موسمية يغلب عليها الطابع الاحتجاجي، في حين أن ما تحتاجه البلاد هو نقاش مؤطر يستند إلى معطيات علمية واضحة ويتيح للحكومة تقديم مبرراتها الحقيقية إلى جانب آراء الخبراء والفاعلين.

هذا الطرح يعكس في جوهره إشكالية أوسع تتعلق بآليات صناعة القرار العمومي في المغرب. فحين يتعلق الأمر بتنظيم الزمن الاجتماعي – وهو عنصر يمس مباشرة إيقاع الحياة اليومية للأسر، وأوقات العمل والدراسة، وأنماط النوم والصحة النفسية – يصبح من الضروري أن تستند السياسات المعتمدة إلى مقاربة تشاركية تتجاوز منطق القرار الإداري المغلق. فالتوقيت ليس مجرد مسألة تقنية، بل هو عامل يؤثر في الإنتاجية وفي التوازن الأسري وفي القدرة على التوفيق بين متطلبات العمل والحياة الخاصة.

ويرى باحثون أن استمرار الجدل السنوي حول هذه القضية يكشف عن خلل في طريقة تدبير النقاش العمومي. فبدل أن يتحول الموضوع إلى مجال لدراسة علمية معمقة ومقارنة تجارب دولية مختلفة، يظل النقاش عالقاً بين موقف حكومي يبرر القرار باعتبارات اقتصادية وارتباطات دولية، ورأي عام واسع يشكك في جدواه ويعتبره عبئاً إضافياً على الإيقاع الاجتماعي للمغاربة.

ومن هنا تبرز فكرة تنظيم مناظرة وطنية حول تدبير الزمن، باعتبارها آلية ديمقراطية قد تسمح بإعادة صياغة النقاش بشكل أكثر هدوءاً وموضوعية. مثل هذا المسار يمكن أن يبدأ بنقاشات محلية وجهوية تشارك فيها فعاليات المجتمع المدني والباحثون والمهنيون والفاعلون الاقتصاديون والتربويون، قبل أن يتوج بنقاش وطني يقدم خلاله الخبراء دراسات علمية حول تأثير الساعة الإضافية على الصحة والنوم والإنتاجية، وعلى التوازن بين الحياة المهنية والعائلية.

غير أن هذا الطرح يصطدم بتساؤل أكثر حساسية: هل توجد فعلاً إرادة سياسية لفتح نقاش من هذا النوع؟ فالكثير من المتابعين يرون أن استمرار العمل بالتوقيت الصيفي رغم موجات الرفض الشعبي المتكررة يعكس نمطاً من القرارات التي تُتخذ من أعلى دون أن تمر عبر نقاش عمومي واسع. وهذا ما يطرح إشكالاً مؤسساتياً يتعلق بمدى انخراط المجتمع في صياغة السياسات التي تؤثر بشكل مباشر في حياته اليومية.

لقد تحولت الساعة الإضافية في المغرب، مع مرور السنوات، من إجراء إداري بسيط إلى رمز لنقاش أكبر حول علاقة الدولة بالمجتمع في تدبير القضايا اليومية. وبين من يعتبرها ضرورة اقتصادية تفرضها متطلبات الاندماج في الاقتصاد العالمي، ومن يراها قراراً يخل بالإيقاع الاجتماعي والصحي للمغاربة، يبقى السؤال معلقاً: هل سيظل الجدل يتكرر كل عام مع تغيير الساعة، أم أن المغرب سيختار أخيراً تحويل هذا الخلاف المزمن إلى نقاش وطني شفاف يفضي إلى قرار واضح ومقنع للجميع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى