رمضان بين البركة والإسراف: كيف يتحول فائض الاستهلاك في المغرب إلى ملايين الأطنان من الطعام المهدور؟

الرباط: ريم بنكرة

يكشف حجم الأغذية التي تُهدر سنوياً في المغرب مفارقة لافتة بين وفرة الموارد وسوء تدبير الاستهلاك؛ فوفق معطيات صادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يصل حجم الطعام الذي ينتهي في القمامة إلى نحو 4.2 ملايين طن سنوياً، يتصدرها الخبز الذي يُهدر بمعدل يقارب 40 مليون قطعة يومياً. وتزداد حدة هذه الظاهرة خلال شهر رمضان، حين يرتفع استهلاك الأسر بشكل كبير، ما يجعل الشهر الذي يفترض أن يكون عنواناً للاعتدال والتضامن يتحول في بعض الأحيان إلى موسم للاستهلاك المفرط.

هذا الواقع يضع المجتمع المغربي أمام مقارنة واضحة بين قيم دينية وثقافية تدعو إلى القصد والاعتدال، وبين سلوك استهلاكي يتجه في كثير من الأحيان نحو التبذير. فبدل أن يؤدي تحسن وفرة المواد الغذائية وتنظيم التموين إلى ترشيد الاستهلاك، يبدو أن هذا الوفرة نفسها تشجع على شراء كميات تفوق الحاجة الفعلية، لتتحول في النهاية إلى فائض مهدور.

وفي هذا السياق يشير علي شتور، رئيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق المستهلك، إلى أن هدر الطعام لم يعد ظاهرة موسمية فحسب، بل أصبح سلوكاً متكرراً في عدة فضاءات، سواء داخل المنازل أو في المطاعم والفضاءات التجارية. فوفرة العرض واستقرار التموين بفضل التدابير التي تتخذها السلطات لضمان تزويد الأسواق لا يقابلها دائماً وعي استهلاكي مماثل، وهو ما يؤدي إلى إهدار كميات كبيرة من الأغذية.

وإذا كانت بعض الدول الصناعية تواجه المشكلة نفسها لكنها تعتمد آليات دقيقة لتدبير الفائض الغذائي عبر إعادة التوزيع أو التبرع أو إعادة التدوير، فإن المغرب لا يزال في مرحلة أولية من حيث تطوير سياسات متكاملة للحد من الهدر الغذائي. فبينما تحاول الاقتصادات المتقدمة تحويل الفائض إلى مورد اجتماعي أو بيئي، يظل جزء مهم من الطعام في المغرب ينتهي مباشرة في مكبات النفايات.

ويؤكد الفاعلون في مجال حماية المستهلك أن الإفراط في شراء المواد الغذائية، خصوصاً خلال شهر رمضان، يعكس خللاً في الثقافة الاستهلاكية أكثر مما يعكس نقصاً في العرض. فالتهافت على الأسواق وشراء كميات تفوق الحاجة اليومية يؤدي إلى تضخم الاستهلاك بشكل غير مبرر، قبل أن يتحول جزء من هذه المشتريات إلى نفايات غذائية.

ولا تقتصر آثار هذه الظاهرة على الجانب الأخلاقي أو الاجتماعي فحسب، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية وبيئية واضحة. فهدر ملايين الأطنان من الطعام يعني في الواقع هدر الموارد التي استُخدمت لإنتاجه، من ماء وطاقة ونقل وتخزين، كما يزيد من الضغط على منظومة تدبير النفايات ويعمق كلفة المعالجة البيئية.

وفي المقابل، يرى مختصون أن الحد من هذه الظاهرة يمر عبر مقاربة مزدوجة تجمع بين المسؤولية الفردية والتدبير المهني. فالمطاعم والفضاءات التجارية مطالبة بتقدير الطلب بشكل أكثر دقة واعتماد أساليب أكثر عقلانية في التموين والتخزين، خاصة خلال فترات الذروة مثل وجبات الإفطار في رمضان. وفي الوقت نفسه يتحمل المستهلك دوراً محورياً في تبني ثقافة شراء قائمة على الحاجة الفعلية لا على منطق الوفرة.

كما يشدد الفاعلون في مجال حماية المستهلك على أهمية احترام مبادئ الشفافية والجودة وحسن تدبير العرض التي ينص عليها القانون 31.08 المتعلق بحماية المستهلك في المغرب، معتبرين أن هذه القواعد لا تقتصر على ضمان جودة المنتجات فقط، بل تشمل أيضاً تعزيز الممارسات المسؤولة في السوق.

وفي ظل تزايد الوعي العالمي بقضايا الأمن الغذائي والاستدامة، يصبح الحد من هدر الطعام جزءاً من معركة أوسع تتعلق بالحفاظ على الموارد وضمان عدالة توزيعها. فبينما تعاني مناطق عديدة من العالم من نقص الغذاء، تبدو ملايين الأطنان المهدورة سنوياً تذكيراً صارخاً بحجم الاختلال بين الإنتاج والاستهلاك.

ومن هنا تبرز أهمية تكثيف حملات التوعية بثقافة الاستهلاك المسؤول، خصوصاً خلال شهر رمضان، إلى جانب تشجيع مبادرات التضامن والتبرع بفائض الطعام وإشراك المجتمع المدني ووسائل الإعلام في نشر هذا الوعي. فالتقليل من الهدر الغذائي لا يمثل فقط خياراً اقتصادياً، بل يعكس أيضاً التزاماً أخلاقياً وإنسانياً يتماشى مع روح الشهر الفضيل، ويعبر عن وعي المجتمع بقيمة النعمة وأهمية الحفاظ عليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى