الحرب في الشرق الأوسط تنذر بأزمة عالمية إقتصادية

الرباط: إستثمار الدولي

لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط حدثًا جيوسياسيًا معزولًا، بل تحولت إلى عامل بنيوي يعيد تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي، في مشهد يعيد إلى الأذهان أزمات الطاقة في سبعينيات القرن الماضي، مع فارق أن الترابط الاقتصادي اليوم يجعل الصدمة أكثر سرعة وانتشارًا. فبينما كانت الأسواق في بدايات النزاع تراهن على احتواء سريع، يبدو أنها دخلت مرحلة إدراك أكثر واقعية، حيث لم تعد التصريحات السياسية قادرة على تهدئة المخاوف، بقدر ما أصبحت التطورات الميدانية، خصوصًا المرتبطة بإمدادات الطاقة، هي المحدد الرئيسي لاتجاهات المستثمرين.

في مقارنة واضحة بين ردود الفعل الأولى والحالية، يتبين أن الأسواق انتقلت من مرحلة “التفاعل النفسي” إلى “إعادة التسعير الهيكلي”، وهو ما يفسر استمرار التراجعات في البورصات العالمية، خاصة في الولايات المتحدة، حيث فقدت المؤشرات الرئيسية زخمها على مدى أسابيع متتالية، في دلالة على تآكل الثقة وتزايد القلق من تداعيات ممتدة. هذا التحول يعكس أيضًا إدراكًا متزايدًا بأن الأزمة لم تعد ظرفية، بل تحمل في طياتها احتمالات إعادة رسم خريطة النمو العالمي.

وفي قلب هذه التحولات، يبرز النفط كأداة ضغط مركزية، حيث أعادت الحرب الاعتبار لأسوأ السيناريوهات المرتبطة بالإمدادات، خاصة مع تصاعد المخاوف حول مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي. وإذا كانت الأسعار قد استقرت نسبيًا بعد موجة ارتفاع حادة، فإن بقاءها عند مستويات مرتفعة يعكس حالة ترقب حذر، في ظل سيناريوهات مفتوحة قد تدفعها إلى مستويات قياسية، بما يحمله ذلك من تداعيات تضخمية واسعة.

غير أن تأثير صدمة الطاقة اليوم يختلف عن سابقاتها، إذ يتقاطع مع بيئة اقتصادية هشة أصلًا، تتسم بارتفاع مستويات الدين وتشديد السياسات النقدية. ففي الولايات المتحدة، أدى ارتفاع عوائد السندات إلى زيادة كلفة الاقتراض، ما يضغط على الاستهلاك والاستثمار في آن واحد، في حين تجد البنوك المركزية نفسها أمام معادلة معقدة: مواجهة التضخم دون خنق النمو. وعلى عكس ما كان متوقعًا قبل الأزمة، تراجعت رهانات خفض أسعار الفائدة، في مؤشر على أن الحرب أعادت ترتيب أولويات السياسات الاقتصادية.

أما في أوروبا، فتبدو الصورة أكثر هشاشة، بالنظر إلى اعتماد القارة الكبير على واردات الطاقة، ما يجعلها أكثر عرضة للصدمات الخارجية. وفي مقارنة مع الولايات المتحدة، حيث لا يزال الطلب الداخلي يشكل عامل دعم نسبي، تواجه الاقتصادات الأوروبية خطر تباطؤ مزدوج، يجمع بين ارتفاع التكاليف وضعف النمو، وهو ما ينعكس بوضوح في تراجع ثقة المستهلكين وارتفاع الضغوط المعيشية.

وفي آسيا، تتجلى الأزمة من زاوية مختلفة، حيث تتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، كما هو الحال في الهند التي شهدت نزوحًا ملحوظًا لرؤوس الأموال، أو اليابان التي اضطرت إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لضمان استقرار الإمدادات. وبينما كانت هذه الاقتصادات تراهن على استقرار أسعار الطاقة لدعم تعافيها، تجد نفسها اليوم أمام صدمة تضخمية تهدد توازناتها المالية.

ولا تقف التداعيات عند حدود الطاقة والأسواق المالية، بل تمتد إلى قطاع الغذاء، في تكرار لنمط أزمات سابقة حيث تتحول صدمات الطاقة إلى موجات تضخم غذائي. فارتفاع أسعار الأسمدة، نتيجة اضطراب إمدادات الغاز، ينذر بزيادة تكاليف الإنتاج الزراعي، ما يضع الدول النامية أمام تحديات مضاعفة، تتجاوز الاقتصاد إلى الاستقرار الاجتماعي.

سلوك المستثمرين بدوره يعكس هذا التحول العميق، إذ لم تعد الملاذات الآمنة التقليدية قادرة على امتصاص الصدمات كما في السابق، ما يدفع نحو سيولة مرتفعة واستراتيجيات أكثر حذرًا. وهو ما يعكس حالة من “اللايقين المركب”، حيث تتداخل المخاطر الجيوسياسية مع التحديات الاقتصادية، في بيئة يصعب التنبؤ بمآلاتها.

في المحصلة، تكشف المقارنة بين مختلف المناطق أن العالم لا يواجه أزمة موحدة بقدر ما يواجه سلسلة من الصدمات المتزامنة، تختلف حدتها من اقتصاد إلى آخر، لكنها تلتقي جميعًا عند نقطة واحدة: هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام اضطرابات الطاقة. وبين سيناريو تباطؤ حاد وآخر أكثر تشاؤمًا يقود إلى ركود، يبقى العامل الحاسم هو مدة الأزمة واتساع نطاقها، خاصة إذا استمر الضغط على مضيق هرمز، بما قد يحول التوتر الجيوسياسي إلى أزمة اقتصادية عالمية مكتملة الأركان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى