ضحايا حوادث الشغل يواجهون “تجميد الحقوق” بين وعود الحكومة وضغط الواقع الاجتماعي

الرباط: إستثمار

في مشهد يعكس مفارقة حادة بين النص القانوني والواقع الاجتماعي، وجّهت الجمعية المغربية للمتضررين من حوادث الشغل والأمراض المهنية نداءً عاجلًا إلى رئيس الحكومة وعدد من القطاعات الوزارية والمؤسسات الدستورية، مطالبة بإنهاء حالة الجمود التي تطبع مراسيم الزيادة في الإيرادات منذ سنة 2013، وهي وضعية تحوّلت مع مرور الزمن إلى مصدر معاناة مستمرة لآلاف المتضررين.

النداء لا يقتصر على مطلب إداري بسيط، بل يعكس أزمة مركبة تتداخل فيها الأبعاد القانونية والاجتماعية والاقتصادية، حيث ترى الجمعية أن استمرار تعطيل هذه المراسيم لأكثر من 13 سنة يشكل خرقًا صريحًا لمبدأ المراجعة الدورية المنصوص عليه قانونًا، ويكرّس ضياع حقوق مكتسبة لفئة دفعت ثمن مساهمتها في الاقتصاد من صحتها وسلامتها الجسدية.

هذا الطرح يكتسب قوة إضافية عند مقارنته بالتحولات الاقتصادية التي عرفها المغرب خلال العقد الأخير، خاصة في ظل موجة تضخم وارتفاع غير مسبوق في تكاليف العلاج والمعيشة.

في المقابل، تشير المعطيات الحكومية إلى مقاربة مختلفة تقوم على أولوية الحفاظ على التوازنات المالية لصندوق الزيادة في الإيرادات، حيث أكدت أمين التهراوي أن إصدار مراسيم جديدة يظل رهينًا بضمان استدامة الصندوق وقدرته على الوفاء بالتزاماته. وفي هذا السياق، تم اتخاذ إجراءات متعددة، من بينها الرفع التدريجي لنسب المساهمات التي انتقلت من 10% إلى 18% في أفق 2025، إلى جانب ضخ تسبيق مالي إضافي بقيمة 135 مليون درهم، في محاولة لإعادة التوازن المالي للصندوق.

غير أن هذا التبرير المالي يصطدم بواقع اجتماعي ضاغط، حيث تؤكد الجمعية، على لسان رئيسها نجيم ورزان، أن التعويضات الحالية أصبحت “هزيلة” ولا تواكب الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم، خاصة أنها صُممت وفق معايير اقتصادية تعود لأكثر من عقد. ومن هنا، يبرز التباين بين منطق التدبير المالي الذي تتبناه الحكومة، ومنطق العدالة الاجتماعية الذي تدافع عنه الفئة المتضررة.

كما تكشف هذه الأزمة عن إشكال أعمق يتعلق ببطء تفاعل السياسات العمومية مع التحولات الاقتصادية، إذ إن آلية “الزيادة في الإيراد” وُجدت أساسًا لتصحيح أثر تآكل قيمة العملة، لكنها تحوّلت، بفعل التأخر في تفعيلها، إلى آلية معطلة تفقد وظيفتها الأصلية. وهو ما يعيد طرح سؤال فعالية الترسانة القانونية، خاصة أن الإطار المنظم يعود إلى الظهير الشريف الصادر في 9 دجنبر 1943، ما يبرز الحاجة إلى تحيين شامل يواكب المتغيرات الراهنة.

وبين مسار قانوني استنفد، واحتجاجات وُصفت بالمسؤولة، ورهان متجدد على تدخل حكومي حاسم، تبدو هذه القضية نموذجًا لاختبار مدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن بين ضرورات الاستدامة المالية ومتطلبات الإنصاف الاجتماعي. فإما أن تُفرج المراسيم بأثر رجعي يعيد الاعتبار لسنوات الانتظار، أو يستمر ملف ضحايا حوادث الشغل كعنوان بارز لفجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى