من تفكيك الفساد إلى مواجهة الحملات: لماذا تُستهدف أسماء أغلالو الآن قبيل الإنتخابات التشريعية؟

الرباط: إستثمار

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، يعود النقاش حول الحصيلة التدبيرية للمسؤولين الترابيين إلى الواجهة، وفي مقدمتهم العمدة السابقة لمدينة الرباط أسماء أغلالو، التي تحولت تجربتها إلى نموذج مثير للجدل بين من يراها تجربة إصلاحية جريئة، ومن يعتبرها مصدر إزعاج لمصالح
مترسخة داخل دواليب التدبير المحلي.

في هذا السياق، لا يمكن فصل الحركية التي بدأت تبرز في بعض المنابر الإعلامية والدوائر غير الرسمية عن طبيعة الإصلاحات التي باشرتها أغلالو خلال فترة توليها المسؤولية، حيث تشير معطيات متقاطعة إلى أن عدداً من الجهات التي تأثرت بشكل مباشر بهذه الإصلاحات، خاصة تلك المرتبطة بمنطق الريع وضعف الحكامة، شرعت في تعبئة أدواتها، بما في ذلك توظيف أقلام إعلامية، لإعادة تشكيل صورة المرحلة السابقة والتأثير على المزاج الانتخابي قبيل المحطات البرلمانية المقبلة.

لقد تميزت فترة تدبير أغلالو بفتح ملفات كانت إلى وقت قريب تُعتبر من “الطابوهات” داخل الجماعات الترابية. من أبرز هذه الملفات، قضية “الموظفين الأشباح”، حيث تم الكشف عن حوالي 2400 اسم، في خطوة غير مسبوقة عززتها لاحقاً تقارير المجلس الأعلى للحسابات، ما منح هذا الملف مصداقية مؤسساتية ورسّخ صورة مواجهة مباشرة مع اختلالات بنيوية ظلت لسنوات خارج دائرة المحاسبة.

ولم تقف هذه الدينامية عند حدود تدبير الموارد البشرية، بل امتدت إلى قطاع النظافة، الذي فجّرت داخله العمدة السابقة معطيات صادمة تتعلق باختلاسات مالية ضخمة فاقت ملياراً و200 مليون سنتيم سنوياً، واستمرت لأزيد من تسع سنوات هذا الملف، الذي يندرج ضمن أعقد شبكات التدبير المفوض.

على مستوى الحكامة، باشرت أغلالو ورشاً لإعادة هيكلة الإدارة الجماعية، مستهدفة تقليص مساحات الرشوة وتعزيز الشفافية، وهو ما انعكس جزئياً على تحسين مداخيل الجماعة، خاصة عبر تقنين استغلال الملك العمومي من طرف المقاهي والمطاعم، بعد سنوات من الفوضى والتسيب.

كما اعتمدت مقاربة غير مسبوقة في تنظيم امتحانات الكفاءة المهنية، من خلال إدخال كاميرات المراقبة لضمان تكافؤ الفرص، في خطوة عكست توجهاً نحو إرساء قواعد النزاهة داخل المرفق العمومي.

وفي إطار تحديث الإدارة، أطلقت مسار رقمنة تدبير ممتلكات الجماعة، ما ساهم في تقليص هامش التلاعب وتعزيز النجاعة الإدارية. كما امتد هذا النفس الإصلاحي إلى قطاع النقل الحضري، حيث أطلقت مشروع الحافلات الكهربائية، وتمكنت في ظرف وجيز من تأمين هبة دولية تضمنت 32 حافلة، في خطوة تعكس توجهاً نحو الانتقال الطاقي وتعزيز الاستدامة داخل المدينة.

دولياً، برز حضور أغلالو من خلال تمثيل المغرب في عدد من المحافل، حيث تم انتخابها في مواقع متقدمة داخل هيئات تعنى بالشأن المحلي، كما حققت سابقة بتمثيلها للمملكة داخل الأمم المتحدة ضمن اللجنة الاستشارية للحكومات المحلية، وهي هيئة محدودة العضوية تعكس مستوى الثقة الدولية في الكفاءات المحلية.

غير أن هذه الحصيلة، رغم ما تحمله من مؤشرات على جرأة في اتخاذ القرار، لم تمر دون كلفة سياسية، إذ يبدو أن طبيعة الملفات التي فُتحت، وحجم المصالح التي تأثرت، ساهما في خلق جبهة مضادة تسعى اليوم إلى إعادة صياغة السردية، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، حيث تتحول الإنجازات نفسها إلى موضوع صراع سياسي وإعلامي.

في المحصلة، تطرح تجربة أسماء أغلالو سؤالاً أعمق حول كلفة الإصلاح في السياق المحلي: هل يمكن لأي مشروع قائم على الشفافية والحكامة أن يستمر دون أن يواجه مقاومة شرسة من شبكات المصالح؟ أم أن هذه المقاومة تشكل، في حد ذاتها، دليلاً على أن الإصلاح قد أصاب مكامن الخلل فعلاً؟ الإجابة عن هذا السؤال قد لا تتضح إلا مع نتائج صناديق الاقتراع المقبلة، التي ستكشف إلى أي حد يمكن للناخب أن يميز بين حملات التأثير وحصيلة التدبير على أرض الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى