
ادخار يصمد واستثمار يتسارع… لكن على حساب من؟ قراءة في مفارقات التوازن الهش للاقتصاد المغربي
الرباط: إستثمار
تعكس معطيات الفصل الرابع من سنة 2025 صورة مزدوجة للاقتصاد المغربي، حيث يتجاور عنصر الصمود مع مؤشرات القلق في مشهد يبدو متوازناً ظاهرياً لكنه يخفي اختلالات عميقة. فاستقرار نسبة الادخار الوطني عند مستوى مرتفع نسبيًا يبعث على الاطمئنان، غير أن هذا الاستقرار لا يأتي نتيجة وفرة في الموارد بقدر ما يعكس حذراً متزايداً في سلوك الأسر والمؤسسات، التي أصبحت تميل إلى تقليص الإنفاق في ظل ضبابية الآفاق الاقتصادية.
هذا التحفظ في الاستهلاك، الذي تجسد في تباطؤ وتيرة نموه، لا يمكن قراءته فقط كمؤشر إيجابي على ترشيد النفقات، بل هو أيضاً علامة على تراجع الثقة في دينامية الاقتصاد، خاصة عندما يتزامن مع تباطؤ واضح في نمو الناتج الداخلي الإجمالي بالقيمة.
فالفارق بين أداء 2024 و2025 يكشف أن الاقتصاد فقد جزءاً من زخمه، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة محركات النمو التقليدية على الاستمرار بنفس الوتيرة.
ويزداد هذا القلق حدة مع تراجع صافي الدخول المتأتية من الخارج، التي كانت تشكل رافعة أساسية لدعم الدخل الوطني. هذا الانخفاض يعكس هشاشة ارتباط الاقتصاد الوطني بالعوامل الخارجية، ويؤكد أن أي تراجع في التحويلات أو العائدات الخارجية يمكن أن يُترجم مباشرة إلى ضغط على الموارد الداخلية، مما يحد من هامش المناورة الاقتصادية.
في المقابل، يبرز استمرار ارتفاع الاستثمار كإشارة إيجابية، حيث يتم توجيه جزء مهم من الناتج نحو تكوين الرأسمال. غير أن هذه الدينامية الاستثمارية، رغم أهميتها، تطرح إشكالاً بنيوياً يتمثل في فجوة متنامية بين الادخار والاستثمار، وهو ما يفسر ارتفاع الحاجة إلى تمويل الاقتصاد. بمعنى آخر، فإن المغرب يستثمر أكثر مما يدخر، وهو خيار قد يكون مبرراً لدعم النمو، لكنه يصبح مقلقاً عندما يتم تمويله بشكل متزايد عبر اللجوء إلى الموارد الخارجية.
هذه المفارقة تكشف أن التوازن الحالي ليس نتيجة انسجام داخلي بقدر ما هو قائم على تعويضات خارجية، ما يجعله عرضة للتقلبات الدولية. فكلما ارتفع الاعتماد على التمويل الخارجي، كلما أصبح الاقتصاد أكثر حساسية للصدمات، سواء تعلق الأمر بتقلبات الأسواق المالية أو بتراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي.
في المحصلة، تُظهر هذه المؤشرات أن الاقتصاد المغربي يقف عند نقطة دقيقة: فهو يحتفظ بعناصر قوة، مثل مستوى الادخار والاستثمار، لكنه في الآن ذاته يواجه تحديات مرتبطة بتباطؤ النمو، وضعف الطلب الداخلي، وتراجع الموارد الخارجية. وهو ما يستدعي إعادة التفكير في نموذج النمو المعتمد، بما يضمن تحقيق توازن أكثر استدامة بين الادخار والاستثمار، وتقوية مصادر الدخل الداخلي بدل الارتهان المتزايد للخارج.





