هدنة على حافة الانفجار: النفط بين وهم الاستقرار وواقع الهشاشة الجيوسياسية

الرباط: ريم بنكرة

تعكس التحركات المتباينة لأسعار النفط خلال تداولات الخميس حالة ارتباك عميقة داخل الأسواق، حيث لم تعد المؤشرات السعرية تستجيب فقط لعوامل العرض والطلب التقليدية، بل أصبحت رهينة مباشرة لتقلبات القرار السياسي وتكتيكات التهدئة المؤقتة.

فالتفاؤل الحذر بإمكانية تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لا يعكس بالضرورة تحولاً استراتيجياً نحو الاستقرار، بقدر ما يكشف عن هشاشة التوازن القائم، والذي يمكن أن ينهار عند أول اختبار جدي.

المعطيات المسربة حول نية واشنطن وطهران تمديد الهدنة لأسبوعين إضافيين تبدو، في ظاهرها، خطوة إيجابية تتيح استئناف المسار الدبلوماسي، لكنها في العمق تكرّس منطق “إدارة الأزمة” بدل حلّها.

فالسوق، التي تتغذى على اليقين، تجد نفسها أمام سيناريو مؤقت يفتقر إلى ضمانات، ما يفسر التذبذب الواضح في الأسعار بين انخفاض طفيف لخام برنت وارتفاع محدود لخام غرب تكساس، في مشهد يعكس غياب اتجاه واضح وثقة مستقرة.

هذا التباين السعري لا يمكن فصله عن إدراك المستثمرين أن أي تهدئة تبقى قابلة للانتكاس، خاصة في ظل استمرار القيود الأمريكية التي تلقي بظلالها على تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية للطاقة العالمية. التحذيرات الصادرة عن المؤسسات المالية، وعلى رأسها بنك الكومنولث الأسترالي، تؤكد أن المخاطر لا تزال كامنة، وأن حجم الإمدادات المهددة يكفي لإعادة إشعال موجة ارتفاعات حادة في أي لحظة.

وفي موازاة هذه التوترات الجيوسياسية، تبرز عوامل تقنية تزيد المشهد تعقيداً، كما هو الحال مع الحريق الذي طال إحدى المصافي في أستراليا، ما يعمّق هشاشة جانب العرض ويكشف أن السوق لا تواجه فقط أزمات سياسية، بل أيضاً اختناقات هيكلية في البنية التحتية للطاقة.

في المحصلة، يبدو أن سوق النفط يعيش حالة “استقرار مضلل”، حيث تخفي الهدن المؤقتة والارتفاعات المحدودة واقعاً أكثر اضطراباً، عنوانه الأساسي غياب رؤية طويلة الأمد لحل النزاعات المؤثرة على الطاقة. وبين رهانات السياسة وتقلبات الإمدادات، يبقى النفط أسيراً لمنطق الأزمات، لا منطق التوازن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى