
هل تنجح الرقمنة في إنقاذ مالية الجماعات الترابية؟ لفتيت يراهن على الجبايات المحلية لتمويل الجهوية المتقدمة
الرباط: المهدي الجرباوي
يبدو أن ورش الجهوية المتقدمة بالمغرب يواجه اليوم أحد أكبر اختباراته المرتبطة بالقدرة على توفير الموارد المالية الكافية للجماعات الترابية، فنجاح نقل الاختصاصات وتوسيع صلاحيات الجهات والجماعات لا يمكن أن يتحقق دون امتلاك هذه الوحدات الترابية لإمكانات مالية ذاتية تضمن استقلالية القرار وفعالية التدبير. وفي هذا السياق، أكد وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أن تعزيز الموارد الجبائية للجماعات الترابية أصبح رهانا استراتيجيا لضمان تنزيل فعلي للجهوية المتقدمة وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
وتكشف هذه التصريحات عن وعي متزايد لدى السلطات العمومية بأن الإشكال الحقيقي لم يعد مرتبطا فقط بتوسيع اختصاصات الجماعات، بل بمدى قدرتها على تمويل هذه الاختصاصات.
فالكثير من الجماعات الترابية ما تزال تعتمد بشكل كبير على التحويلات المالية القادمة من الدولة، في حين تظل مداخيلها الذاتية محدودة وغير قادرة على مواكبة حجم الانتظارات المتزايدة للسكان في مجالات البنيات التحتية والنقل والإنارة والنظافة والخدمات الاجتماعية.
وفي محاولة لمعالجة هذا الوضع، جاء القانون رقم 07.20 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية بمقاربة جديدة تقوم على تحديث منظومة التحصيل وتبسيط المساطر الإدارية عبر إدماج الرقمنة في مختلف مراحل التصريح والأداء والتحصيل. ويعكس هذا التوجه رغبة الدولة في تجاوز الاختلالات التقليدية التي ظلت تؤثر على مردودية الجبايات المحلية، سواء بسبب تعقد الإجراءات أو ضعف آليات المراقبة أو محدودية قواعد المعطيات المتاحة للإدارة.
ومن هذا المنطلق، عملت وزارة الداخلية على إرساء إطار تنظيمي خاص بالإقرار والأداء الإلكترونيين للرسوم المحلية، إلى جانب إطلاق منصة رقمية مخصصة لهذه الخدمات واعتماد نظام معلوماتي مندمج لتدبير مداخيل الجماعات الترابية. ويُنتظر أن تساهم هذه الأدوات في تقليص آجال المعالجة الإدارية، والحد من الأخطاء البشرية، وتحسين تتبع عمليات التحصيل، فضلا عن تعزيز الشفافية في تدبير المال العام المحلي.
غير أن التجارب السابقة في مجال الرقمنة الإدارية بالمغرب تفرض طرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة الحلول التكنولوجية وحدها على تحقيق الأهداف المرجوة.
فالتحول الرقمي، رغم أهميته، لا يمثل سوى جزء من الحل، إذ تبقى فعالية الجبايات المحلية مرتبطة أيضا بتحديث الوعاء الضريبي، وتحسين عمليات الإحصاء الجبائي، ومراجعة بعض الرسوم التي لم تعد تواكب التحولات الاقتصادية والعمرانية التي تعرفها مختلف المدن والجماعات.
كما أن نجاح هذا الورش يظل رهينا بمدى قدرة الجماعات الترابية على استيعاب هذه الأنظمة الجديدة وتوفير الموارد البشرية المؤهلة لتدبيرها، خاصة في العالم القروي والمناطق الأقل تجهيزا، حيث ما تزال الفوارق الرقمية تشكل تحديا حقيقيا أمام تعميم الخدمات الإلكترونية وتحقيق العدالة المجالية في الاستفادة منها.
وفي المقابل، يرى متابعون أن اعتماد الأنظمة المعلوماتية الجغرافية وربطها بعمليات تدبير المداخيل يمكن أن يشكل نقطة تحول مهمة في محاربة التهرب من أداء الرسوم المحلية والكشف عن الأنشطة غير المصرح بها، بما يتيح توسيع قاعدة الملزمين وتحسين المردودية الجبائية دون اللجوء إلى فرض أعباء جديدة على المواطنين.
وبين طموح تعزيز الاستقلال المالي للجماعات الترابية وتحديات الواقع الميداني، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على جمع المزيد من الموارد، بل على بناء نموذج حديث للحكامة المحلية يجعل من الرقمنة أداة لتحسين التدبير والشفافية والنجاعة. فنجاح الجهوية المتقدمة لن يقاس بعدد الاختصاصات المنقولة إلى الجماعات، وإنما بمدى قدرتها على تمويل مشاريعها وخدماتها اعتمادا على موارد ذاتية قوية ومستدامة.





