مخزون الطاقة في المغرب بين هامش الأمان وقلق المستقبل

الرباط: نارمان بنمسعود

في زمن تتزايد فيه الهشاشة الجيوسياسية وتتعقد فيه سلاسل الإمداد العالمية، يعود سؤال الأمن الطاقي في المغرب إلى الواجهة بقوة: هل يكفي احتياط البلاد من المحروقات لمواجهة أي اضطراب مفاجئ؟ الأرقام الرسمية تشير إلى توفر مخزون يناهز 50 يوماً من المحروقات، و40 يوماً من غاز البوتان، وهي مستويات تبدو نظرياً ضمن هامش الأمان، لكنها تفتح في العمق نقاشاً أكثر تعقيداً حول جودة هذا الأمان واستدامته.

عند المقارنة مع المعايير الدولية، خاصة في الدول الصناعية، يُعتبر الاحتفاظ بمخزون يغطي ما بين 60 و90 يوماً من الاستهلاك قاعدة أكثر صرامة لمواجهة الأزمات الكبرى، مثل الحروب أو الكوارث أو الاختناقات اللوجستية. من هذا المنظور، يظهر أن المغرب يشتغل بهامش احتياطي متوسط، ليس ضعيفاً بالضرورة، لكنه ليس مريحاً بالكامل في ظل عالم سريع التقلب.

اللافت أن التفاوت داخل مكونات المخزون يطرح بدوره تساؤلات دقيقة. فغاز البوتان، الذي يمثل مادة حيوية للأسر المغربية، خصوصاً في الاستعمالات اليومية، يتوفر له احتياط أقل نسبياً (40 يوماً)، ما يجعله أكثر حساسية لأي اضطراب في التموين.

ورغم أن الدولة تدعم هذه المادة بشكل كبير لضمان استقرار أسعارها، إلا أن هذا الدعم لا يحمي من مخاطر الانقطاع إذا تعطل التوريد الخارجي.

أما بخصوص الكيروزين، فالتخوفات تبدو أكثر جدية، وإن كانت أقل تداولاً في النقاش العمومي. هذا النوع من الوقود، المرتبط أساساً بقطاع الطيران، يتأثر بسرعة بأي توتر دولي أو قيود لوجستية، خاصة أن الطلب عليه يرتبط بحركية النقل الجوي والسياحة. وفي حالة حدوث أزمة إقليمية أو ارتفاع مفاجئ في الأسعار، قد يجد المغرب نفسه أمام ضغط مزدوج: تأمين حاجيات المطارات من جهة، والحفاظ على تنافسية القطاع السياحي من جهة أخرى.

المقارنة هنا تصبح ضرورية: بينما يمكن تدبير نقص مؤقت في بعض المحروقات عبر تقنين الاستهلاك أو اللجوء إلى بدائل، فإن أي خلل في الكيروزين قد تكون له انعكاسات فورية على الربط الجوي، وبالتالي على الاقتصاد ككل، خصوصاً في بلد يعوّل بشكل متزايد على السياحة والخدمات.
لكن الإشكال لا يرتبط فقط بحجم المخزون، بل أيضاً ببنيته وتوزيعه وقدرته على الاستجابة السريعة.

فامتلاك احتياطي نظري لا يعني بالضرورة الجاهزية الفعلية، إذا لم يكن مدعوماً ببنية لوجستية قوية، من موانئ وخزانات وشبكات نقل فعالة. كما أن غياب مصفاة وطنية نشطة منذ سنوات يجعل المغرب يعتمد بشكل شبه كلي على الاستيراد، وهو ما يزيد من حساسية وضعيته تجاه التقلبات الخارجية.

في المقابل، يمكن تسجيل بعض نقاط القوة، أبرزها تنويع مصادر التوريد والانفتاح على أسواق متعددة، إضافة إلى الاستثمارات المتزايدة في الطاقات المتجددة، التي قد تخفف تدريجياً من الضغط على المحروقات التقليدية. غير أن هذه البدائل، رغم أهميتها، لا تزال في مرحلة انتقالية، ولا يمكنها في الوقت الراهن تعويض الدور الحيوي للوقود الأحفوري.

في المحصلة، يبدو أن مخزون المغرب من المحروقات يمنحه نوعاً من الأمان المؤقت، لكنه أمان هش نسبياً إذا ما قورن بحجم التحديات العالمية الراهنة. وبين أرقام تبدو مطمئنة نسبياً ومخاوف واقعية من اضطرابات محتملة، يظل الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى استراتيجية طاقية أكثر سيادة واستباقية، قادرة على تحويل هذا الهامش الضيق إلى درع حقيقي في وجه الأزمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى