تضخم هادئ أم إنذار مبكر؟ حين تكشف أسعار الإنتاج عن اقتصاد يتحرك بسرعتين

الرباط: المهدي الحرباوي

تعكس معطيات المندوبية السامية للتخطيط حول ارتفاع الرقم الاستدلالي للأثمان عند الإنتاج في قطاع الصناعات التحويلية بنسبة 0,2 في المائة خلال مارس 2026 صورة تبدو في ظاهرها محدودة التأثير، لكنها في العمق تكشف عن تحولات أكثر تعقيداً داخل بنية الاقتصاد المغربي.

فالمقارنة مع شهر فبراير لا تبرز فقط تغيراً رقمياً طفيفاً، بل تفتح الباب أمام قراءة مزدوجة بين قطاعات تشهد ضغطاً تصاعدياً في التكاليف وأخرى تسير في اتجاه معاكس، ما يعكس اقتصاداً يتحرك بإيقاع غير متجانس.

الارتفاع المسجل يجد تفسيره أساساً في دينامية الصناعات الغذائية التي قفزت أسعارها بـ0,8 في المائة، وهو معطى يتجاوز كونه تغيراً قطاعياً ليحمل دلالات مباشرة على كلفة المعيشة، باعتبار الارتباط الوثيق بين أسعار الإنتاج الغذائي والأسعار النهائية للمستهلك. في المقابل، يظل ارتفاع أسعار منتجات غير معدنية وقطاع التعدين بوتيرة أبطأ مؤشراً على ضغوط إنتاجية مرتبطة بكلفة المواد الأولية والطاقة، دون أن تصل إلى مستوى الاختلال الحاد.

غير أن الصورة لا تكتمل دون التوقف عند التراجع الطفيف في أسعار صناعة السيارات، الذي يبدو للوهلة الأولى محدوداً، لكنه يعكس دينامية مختلفة تقوم على المنافسة الدولية وضبط التكاليف، وربما أيضاً على تحسن سلاسل التوريد مقارنة بفترات سابقة.

هنا تتجلى المفارقة: قطاع موجه للتصدير يظهر قدرة على امتصاص الضغوط، بينما قطاعات مرتبطة بالاستهلاك الداخلي تعكس انتقالاً تدريجياً للتكلفة نحو السوق.

أما استقرار أسعار الصناعات الاستخراجية وقطاعات الماء والكهرباء، فيحمل بدوره دلالة مزدوجة؛ فمن جهة يحد من انتقال موجات تضخمية قوية إلى باقي القطاعات، ومن جهة أخرى قد يخفي نوعاً من الجمود في دينامية الاستثمار أو في إعادة هيكلة الأسعار داخل هذه المجالات الحيوية.

بهذا المعنى، لا يمكن اختزال الارتفاع العام في كونه مجرد تغير شهري عابر، بل ينبغي قراءته ضمن سياق أوسع يتسم بتباين واضح بين قطاعات تقود التضخم وأخرى تكبحه. وهو ما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول المرحلة المقبلة:

هل نحن أمام بداية موجة تضخمية تدريجية تقودها الصناعات المرتبطة بالاستهلاك اليومي، أم أن هذا التباين القطاعي سيستمر كآلية توازن تحد من انتقال الضغوط إلى الاقتصاد ككل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى