أرقام تكشف فجوة المغرب بين طموح الإصلاح وتردد القطاع الخاص في الإستثمار

الرباط: إدريس بنمسعود

يضع التشخيص الأخير لـمجموعة البنك الدولي الاقتصاد المغربي أمام مفارقة لافتة: بلد نجح في بناء قاعدة صلبة من البنيات التحتية والإصلاحات المؤسساتية، لكنه لا يزال عاجزًا عن تحويل هذا التراكم إلى دينامية قوية للاستثمار الخاص.

فمن جهة، تبدو الصورة الرسمية مطمئنة، حيث تتقاطع الاستراتيجيات القطاعية مع توجهات التحول الطاقي والصناعي، ومن جهة أخرى، تكشف التفاصيل أن هذه الجاذبية النظرية تصطدم بعوائق عملية تجعل رأس المال الخاص أكثر حذرًا مما يفترض.

المقارنة بين الاستثمار العمومي والخاص تُظهر اختلالًا واضحًا في محركات النمو؛ فالدولة قادت خلال العقدين الماضيين طفرة في مجالات البنية التحتية والطاقات المتجددة، بينما ظل القطاع الخاص مترددًا، غير قادر على بلوغ الكتلة الحرجة التي تضمن استدامة النمو وامتصاص البطالة.

هنا يبرز التحدي الحقيقي: ليس في خلق الفرص، بل في إزالة الشكوك التي تحيط بها.

في قطاع الطاقة الشمسية مثلًا، يتجسد التناقض بين الطموح والواقع بشكل صارخ. فبينما يراهن المغرب على موقعه كمحور إقليمي في الطاقات النظيفة، يواجه المستثمرون منظومة تنظيمية مجزأة وإجراءات ترخيص معقدة، ما يخلق حالة من عدم اليقين حول التسعير واستغلال الفائض.

هذه العوائق تجعل الإمكانات الهائلة—التي قد تصل إلى مليارات الدولارات وآلاف فرص الشغل—مؤجلة التنفيذ بدل أن تكون رافعة فورية للنمو.

الوضع لا يختلف كثيرًا في صناعة النسيج منخفض الكربون، حيث تبدو الفرص العالمية متاحة، لكن الولوج إليها يظل مكلفًا ومعقدًا، خاصة بالنسبة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة.

فبينما تستفيد الشركات الكبرى من قدرتها على الامتثال لمعايير الاستدامة، تجد الوحدات الأصغر نفسها محاصرة بتكاليف الشهادات ونقص المعلومات حول العقار الصناعي، ما يعمّق فجوة التنافسية بدل تقليصها.

وهنا يظهر التباين بين خطاب الاقتصاد الأخضر كفرصة، وواقعه كعبء تنظيمي على الفاعلين الأضعف.

أما في قطاع زيت الأركان، فالمفارقة أكثر دقة: منتج محلي يحمل قيمة رمزية واقتصادية عالمية، لكنه يفتقر إلى منظومة تتبع شفافة تضمن ثقة الأسواق الدولية.

وبينما يتزايد الطلب العالمي على المنتجات الطبيعية، يظل ضعف الحكامة في سلسلة القيمة عاملًا كابحًا للاستثمار، ما يحول دون انتقال هذا المورد من نشاط تقليدي إلى صناعة تصديرية عالية القيمة.

ما يكشفه هذا التشخيص في جوهره ليس نقصًا في الفرص، بل خللًا في ترجمتها إلى مشاريع ملموسة. فالمغرب، مقارنة بعدة اقتصادات إقليمية، يمتلك أفضلية واضحة من حيث الاستقرار والبنية التحتية والرؤية الإستراتيجية، لكنه يواجه تحديًا أكثر تعقيدًا: تحويل هذه الأفضلية إلى ثقة فعلية لدى المستثمر. وبينما تُظهر الأرقام إمكانات استثمارية ضخمة قادرة على خلق عشرات الآلاف من فرص العمل، فإن تحقيقها يظل مشروطًا بقدرة السياسات العمومية على تبسيط القواعد، وتوضيح الأدوار، وتقليص كلفة الامتثال.

في النهاية، تبدو المعادلة واضحة لكن تنفيذها صعب: الانتقال من اقتصاد تقوده الدولة إلى اقتصاد يحفزه القطاع الخاص لا يتطلب فقط إصلاحات، بل يتطلب انسجامًا مؤسساتيًا يبدد الغموض ويحوّل الطموح إلى يقين استثماري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى