فوضى الشقق المفروشة بالهرهورة بين صمت القانون وضجيج السهرات

الرباط: إدريس بنمسعود

مع كل اقتراب لفصل الصيف، تعود مدينة الهرهورة إلى واجهة النقاش العمومي، لا باعتبارها فقط وجهة ساحلية مفضلة، بل كفضاء يتكرر فيه جدل حاد حول ظاهرة كراء الشقق المفروشة خارج الضوابط القانونية.

هذه الظاهرة التي كان يُنظر إليها في السابق كحل موسمي لتلبية الطلب السياحي، تحولت تدريجياً إلى مصدر قلق حقيقي للسكان، بفعل ما يرافقها من اختلالات تمس النظام العام وتطرح أسئلة عميقة حول حدود التساهل المؤسساتي.

اللافت أن هذا النشاط يتم في كثير من الأحيان خارج أي تصريح قانوني أو مراقبة ضريبية، ما يجعله اقتصاداً موازياً قائماً بذاته، يدر أرباحاً مهمة دون أن ينعكس إيجاباً على الجماعة أو يحترم الحد الأدنى من القواعد المنظمة.

وبينما يفترض أن يخضع كراء الشقق المفروشة لقوانين واضحة تؤطر الإيواء السياحي، فإن الواقع يكشف عن شبكة معقدة من الوسطاء والملاك الذين يستغلون الطلب المرتفع خلال الصيف لفرض أمر واقع، مستفيدين من صعوبة التتبع وضعف آليات الردع.

لكن الإشكال لا يقف عند البعد القانوني أو الاقتصادي، بل يتجاوزه إلى ما يعتبره السكان مساساً مباشراً بجودة عيشهم. فعدد من الإقامات، خصوصاً في مناطق مثل فال دور، وميرامار، والشعبي، والشاطئ، تحولت—حسب شهادات متطابقة—إلى فضاءات لسهرات صاخبة وسلوكيات توصف بغير المقبولة، تمتد إلى ساعات متأخرة من الليل، وتخلف ضجيجاً وفوضى تزعج الأسر، بل وتزرع شعوراً بعدم الأمان داخل محيط يفترض أنه سكني هادئ.

المفارقة التي تزيد من حدة الاحتقان، هي أن بعض هذه الشقق تعود ملكيتها—وفق ما يتم تداوله محلياً—إلى أطر وكوادر يفترض فيها الالتزام بالقانون، وهو ما يطرح إشكالية أخلاقية قبل أن تكون قانونية، ويعكس نوعاً من التناقض بين الموقع الاجتماعي والممارسة الفعلية.

هذا المعطى يعزز لدى الساكنة إحساساً بوجود نوع من الحصانة غير المعلنة، أو على الأقل ضعف في تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

في المقابل، لا يمكن إنكار الجهود التي تبذلها السلطات المحلية وعناصر الدرك الملكي، والتي تتدخل بشكل دوري للحد من بعض التجاوزات. غير أن هذه التدخلات، رغم أهميتها، تبدو في نظر العديد من المتتبعين غير كافية أمام حجم الظاهرة واتساع رقعتها، خاصة مع اعتماد المخالفين على أساليب ملتوية، كالتغيير المستمر للمكترين، أو الاعتماد على وسطاء غير رسميين، أو استغلال فترات الذروة التي يصعب فيها الضبط والمراقبة.

ضمن هذا السياق المتوتر، يبرز توجه نحو نقل هذا الملف من دائرة التذمر الفردي إلى الفعل الجماعي المنظم، من خلال إعداد استطلاع ميداني من قبل موقع ” إستثمار ” تشارك فيه فعاليات مدنية ” سانديك” وحقوقية إلى جانب السكان، بهدف توثيق هذه الظاهرة بالصوت والصورة، ورصد أبرز تمظهراتها داخل عدد من الإقامات السكنية. خطوة تحمل في طياتها محاولة لإعادة التوازن للنقاش، عبر تقديم معطيات ملموسة قد تضع الجهات المسؤولة أمام مسؤوليات أوضح.

غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في التشخيص أو التنديد، بل في القدرة على صياغة مقاربة متكاملة تعالج جذور الإشكال، عبر تشديد المراقبة، ورفض سلك مساطر التصريح، خصوصا في الإقامات المعدة للسكن وليس للسياحة، وفرض عقوبات رادعة على المخالفين، بالتوازي مع تحسيس الملاك والمكترين على حد سواء.

فاستمرار الوضع الحالي يهدد بتحويل الهرهورة من فضاء للراحة والاستجمام إلى بؤرة توتر موسمي، ووكر للدعارة، وهو سيناريو لا يخدم لا الساكنة ولا صورة المدينة كوجهة سياحية.

في النهاية، تبدو معركة الشقق المفروشة بالهرهورة أكبر من مجرد مخالفات موسمية؛ إنها اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات على فرض القانون، ولمدى استعداد المجتمع المحلي للدفاع عن حقه في بيئة سليمة وآمنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى