حرية الصحافة في المغرب بين قفزة رقمية وظلّ الشك: هل يكفي التقدم في التصنيف لإثبات التحول الحقيقي؟

الرباط: ريم بنكرة

عاد الجدل حول واقع حرية الصحافة في المغرب مع صدور مؤشر مراسلون بلا حدود لسنة 2026، الذي وضع المملكة في المرتبة 105 عالمياً، مسجلة تقدماً بـ15 مرتبة مقارنة بالسنة الماضية.

تقدمٌ يبدو لافتاً في ظاهره، لكنه يطرح في عمقه سؤالاً أكثر تعقيداً: هل يعكس هذا الصعود تحسناً بنيوياً، أم مجرد تحسن نسبي في سياق دولي يتجه نحو التراجع العام؟

المؤشر ذاته يرسم صورة قاتمة عالمياً، حيث يشير إلى أن حرية الصحافة بلغت أدنى مستوياتها منذ ربع قرن، مع تصنيف أكثر من نصف دول العالم ضمن مناطق “صعبة” أو “خطيرة للغاية”، وهو ما يجعل أي تقدم رقمي لبعض الدول، ومنها المغرب، نسبياً أكثر منه تحسناً مطلقاً.

بمعنى آخر، قد يكون صعود المغرب جزئياً نتيجة تراجع الآخرين، وليس فقط بفعل إصلاحات داخلية عميقة.

داخلياً، يرى فاعلون مهنيون أن المسار المغربي يحمل بالفعل مؤشرات إيجابية، خاصة منذ اعتماد مدونة الصحافة والنشر سنة 2016 التي ألغت العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، وهو تحول مهم على مستوى الضمانات القانونية.

غير أن هذا المكسب، وفق نفس القراءة، لم يُحصّن بالكامل، بعدما برزت ممارسات تعيد بعض القضايا إلى القانون الجنائي، ما يخلق ازدواجية قانونية تضعف وضوح القواعد وتفتح الباب أمام تأويلات مقلقة.

في المقابل، يتخذ النقاش بعداً أكثر نقدية حين يتعلق بالمناخ العام لممارسة الصحافة، إذ يشير مهنيون إلى أن طريقة تدبير بعض مشاريع القوانين، وعلى رأسها إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، لا تعزز بالضرورة الثقة في مسار الإصلاح، بل تغذي نوعاً من الحذر تجاه المستقبل. هنا يظهر التناقض بوضوح: تقدم في المؤشرات يقابله تردد في البيئة التنظيمية.

ومن زاوية أخرى، يُعزى التحسن المسجل أيضاً إلى جهود ذاتية يبذلها الصحافيون والمؤسسات الإعلامية للارتقاء بالممارسة المهنية، رغم الإكراهات. غير أن هذا التقدم يصطدم بعوامل غير مرئية في المؤشرات الرقمية، أبرزها الرقابة الذاتية، التي تتحول تدريجياً إلى آلية ضبط غير معلنة تؤثر على جودة وجرأة الإنتاج الإعلامي.

كما يطرح الواقع الاقتصادي والاجتماعي للعاملين في القطاع نفسه كعنصر حاسم غالباً ما يتم تجاهله في التقييمات الدولية، رغم كونه محدداً أساسياً لاستقلالية الصحافي.

فالهشاشة المهنية قد تدفع إلى التنازل غير المباشر عن جزء من الحرية، ما يجعل أي تقدم قانوني غير مكتمل دون دعم شروط العمل.

في المحصلة، يبدو أن حرية الصحافة في المغرب تقف عند مفترق دقيق: بين مسار إصلاحي يمنحها دفعة إلى الأمام، وسياق عملي يفرض عليها قيوداً غير مباشرة. التقدم في التصنيف يظل مؤشراً إيجابياً، لكنه لا يكفي وحده لإعلان التحول، ما لم يُترجم إلى ضمانات مستقرة، ومناخ مهني يوازن بين الحرية والمسؤولية دون ضغط أو تردد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى