
الشقق المفروشة بالمغرب بين حرية الاستغلال وضوابط الإيواء السياحي
ماجدة لعريش محامية – طالبة باحثة في سلك الدكتوراه
في السنوات الأخيرة تحولت الشقق المفروشة في المغرب إلى ظاهرة عمرانيةاجتماعية قائمة بذاتها، تعكس تحولات عميقة في أنماط السكن والإيواء السياحي واستخدام الفضاء الحضري. وتضاعفت أهمية هذه الظاهرة مع صعود المنصات الرقمية مثل Airbnb وغيرها من منصات الكراء القصير الأمد، ما أفرز فرصا اقتصادية جديدة لكنه فتح أيضا ملفات شائكة تتعلق بالأمن العام، والجباية، والأخلاق، وحدود التقنين القانوني.
أولا: التأطير المفاهيمي والسوسيواقتصادي
يُقصد بالشقق المفروشة تلك الوحدات السكنية المجهزة بالأثاث والمعدات الأساسية، والمعدة للكراء لفترات قصيرة أو متوسطة، سواء لغايات سياحية أو مهنية أو استشفائية أو دراسية، خارج نموذج الكراء الكلاسيكي الطويل الأمد المنظم في قوانين الكراء السكني. وقد أدى توسع الطبقة الوسطى، وارتفاع وتيرة التنقل الداخلي بين المدن لأغراض الشغل والدراسة، ونمو السياحة الداخلية والخارجية، إلى تضاعف الطلب على هذا الشكل من الإيواء الذي يجمع بين مرونة الحجز وطابع الخصوصية الأسرية.
في هذا السياق برزت المنصات الرقمية العالمية والوطنية كوسيط رئيسي في عرض هذه الشقق وتسويقها، من قبيل Airbnb، وBooking.com، ومنصات محلية، والتي تتيح حجز الشقق المفروشة يوميا أو أسبوعيا أو شهريا بكبسة زر، مع إمكانية تصنيف العروض، وقراءة تقييمات الزبناء، والأداء الإلكتروني الآمن. وقد جعل هذا التطور من كراء الشقق المفروشة مشروعا اقتصاديا جذابا لعدد متزايد من المالكين المغاربة الذين وجدوا في الانخراط في Airbnb وأمثالها مدخلا لمراكمة دخل إضافي وتحسين استغلال ممتلكاتهم العقارية.
ثانيا: الإطار القانوني والتقنين السياحي
رغم حداثة البعد الرقمي، فإن تنظيم الشقق المفروشة له جذور قانونية قديمة تعود إلى الظهير الشريف المؤرخ في 2 رمضان 1350 (11 يناير 1932) المتعلق بضبط المساكن المفروشة، الذي ألزم أصحاب هذه الشقق بالحصول على تصريح مكتوب من السلطات الأمنية والضريبية، والتصريح بهوية المستغل وعدد المحلات التي يديرها، مع مسك سجلات للوافدين يمكن الاطلاع عليها عند الطلب. ورغم تقادم النص، لا يزال يشكل المرجع الأساسي في تمييز الشقق المفروشة عن باقي أنماط السكن العادي، خاصة من زاوية الالتزامات الأمنية.
لاحقا، جاء القانون رقم 80.14 المتعلق بالمؤسسات السياحية وأشكال الإيواء السياحي الأخرى، والصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.108 بتاريخ 4 غشت 2015، ليوسع دائرة التنظيم من خلال إدراج شكل جديد من الإيواء هو “الإيواء عند الساكن” أو “الإيواء البديل”، الذي يشمل استقبال السياح في محل السكنى مقابل مقابل مالي، بما في ذلك الشقق المفروشة المستغلة عبر منصات مثل Airbnb. وقد تم تفعيل مقتضيات هذا القانون بصدور المرسوم رقم 2.23.441 الذي حدد الشروط التقنية والإدارية لممارسة هذا النشاط، بما فيها ضرورة الحصول على ترخيص إداري، وتحديد عدد الغرف المسوقة، وإيداع ملف يتضمن وثائق من قبيل عقد التأمين، ورخصة السكن، وشهادة المهندس حول احترام شروط السلامة.
بمجرد دخول المرسوم حيز التنفيذ، وجد العديد من المنخرطين المغاربة في منصة Airbnb أنفسهم في وضعية مخالفة للقانون، بعدما أصبح لزاما عليهم التصريح بنشاطهم كإيواء عند الساكن والحصول على الرخصة المنصوص عليها، وإلا اعتُبروا خارج المنظومة القانونية المنظمة للإيواء السياحي. وهكذا انتقل النقاش من اعتبار Airbnb مجرد قناة تسويقية جديدة، إلى التعامل معه كقطاع اقتصادي يجب أن يخضع لقواعد الشفافية والرقابة نفسها المطبقة على باقي المؤسسات السياحية.
ثالثا: البعد الجبائي والاقتصادي في ظل المنصات الرقمية
أبرز توسع الكراء اليومي والقصير الأمد عبر الشقق المفروشة ومنصات مثل Airbnb سؤال العدالة الجبائية بقوة، بالنظر إلى أن جزءا معتبرا من هذه المعاملات ظل يتم لسنوات في المنطقة الرمادية خارج التصريح الضريبي المنتظم. ومع إصلاحات المدونة العامة للضرائب، تم إدراج مداخيل الكراء القصير الأمد ضمن فئة “الأرباح العقارية” الخاضعة للضريبة، مع إمكان اللجوء إلى الاقتطاع من المنبع وتغريم المخالفين الذين لا يصرحون بمداخيلهم.
على المستوى الاقتصادي، تحول الكراء عبر Airbnb وغيره إلى نمط عمل جانبي لدى شرائح واسعة من المالكين، خصوصا في المدن الكبرى والسياحية، حيث تشير الأدلة الميدانية إلى أن الكثير من الشقق التي تُسوّق على المنصة تستغل كإقامات سياحية شبهفندقية، بما يعزز جاذبية المدن المغربية لدى فئات من السياح الباحثين عن فضاءات أكثر خصوصية وأقل كلفة من الفنادق. غير أن هذا التوسع يطرح إشكالية المنافسة مع مؤسسات الإيواء المهيكلة الخاضعة لضرائب ورسوم ومراقبة صارمة، ما دفع مهنيي القطاع الفندقي إلى المطالبة بتطبيق صارم ومحايد للقانون 80.14 والمرسوم التطبيقي على كل الفاعلين، بمن فيهم مستغلو الشقق عبر المنصات الرقمية.
رابعا: الأبعاد الأمنية والأخلاقية للظاهرة
إلى جانب المؤشرات الإيجابية على مستوى تنشيط الاقتصاد المحلي، تُثير الشقق المفروشة أسئلة عميقة حول الأمن العام والأخلاق والقيم السائدة، خاصة عندما تستغل بعيداً عن أي تصريح أو مراقبة. فقد كشفت تقارير إعلامية عن استعمال بعض الشقق المفروشة كفضاءات لإيواء أشخاص مطلوبين للعدالة أو لممارسة أنشطة غير قانونية، مستفيدين من ضعف مساطر التصريح بالوافدين، ومن صعوبة تتبع الكراء اليومي الذي يتم أحيانا عبر وسطاء غير رسميين أو مجموعات مغلقة على شبكات التواصل.
كما ربطت تحقيقات صحفية بين انتشار الشقق المفروشة في أحياء معينة وبين صعود ما يُسمى بـ”اقتصاد الدعارة”، حيث تُستغل شقق وفيلات فاخرة لاستقبال زبناء محليين وأجانب، وتنظيم سهرات مغلقة بمقابل مرتفع، ما يعمق الإحساس لدى جزء من الرأي العام بأن هذه الفضاءات أصبحت واجهة لـ”الدعارة الراقية”. ويضع هذا الوضع الدولة أمام إشكالية تحقيق توازن بين احترام حرية الأفراد في التصرف في ممتلكاتهم، وبين مسؤوليتها في حماية النظام العام الأخلاقي والأمني في مجتمع لا تزال العلاقات الجنسية خارج الزواج فيه موضوع تجريم قانوني وحساسية اجتماعية عالية.
خامسا: صعوبات تنزيل النصوص القانونية على الواقع
على الرغم من وجود ترسانة قانونية تشمل ظهير 1932 والقانون 80.14 والمرسوم 2.23.441، إلا أن الممارسة تكشف عن صعوبات كبيرة في تنزيل هذه النصوص على أرض الواقع، خاصة مع السرعة التي تنتشر بها عروض الكراء اليومي عبر المنصات الرقمية. فجزء من العروض المنشورة على AIRBNB وغيره يعود إلى مالكين لم يقوموا بأي تصريح إداري أو جبائي، وبعضهم يجهل أصلا أن نشاطه أصبح خاضعا لنظام الترخيص ودفتر التحملات، ما يخلق فجوة بين الواقع القانوني والنشاط الفعلي.
كما أن تعدد المتدخلين (السلطات المحلية، الأمن الوطني، الدرك الملكي، الجماعات الترابية، المصالح الجبائية، ووزارة السياحة) يؤدي في كثير من الأحيان إلى تداخل الاختصاصات أو فراغات في المراقبة، خاصة عندما يتعلق الأمر بشقق داخل عمارات سكنية ظاهرُها سكن عادي، وباطنُها نشاط تجاري سياحي يومي. وتُسجّل جمعيات حماية المستهلك استمرار شكايات مرتبطة بعدم وضوح الأسعار، وغياب العقود المكتوبة، وعدم احترام معايير السلامة والنظافة، بل وأحيانا تعرض الزبناء لابتزاز أو اعتداءات، خصوصا عندما يتم الحجز خارج المنصات المعروفة أو عبر وسطاء ظرفيين.
سادسا: آفاق إصلاح وتقنين الظاهرة في عصر Airbnb
في ضوء ما سبق، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة صياغة مقاربة متكاملة لتقنين الشقق المفروشة في المغرب، تأخذ بعين الاعتبار الدور المركزي للمنصات الرقمية وعلى رأسها Airbnb في تشكيل سوق الإيواء القصير الأمد. ويمكن استشراف عدد من مسارات الإصلاح، من بينها: تحديث الظهير التاريخي لسنة 1932 أو دمج مقتضياته في مدونة موحدة للسكن والإيواء، مع اعتماد مساطر رقمية للتصريح بالنشاط، وربط حسابات المستغلين على Airbnb والمنصات المشابهة بقواعد بيانات مشتركة مع السلطات الأمنية والجبائية، بما يسمح بتتبع المبيتات دون المساس غير المبرر بالحياة الخاصة؛ واستكمال تفعيل القانون 80.14 والمرسوم 2.23.441 من خلال تبسيط مسطرة الترخيص بالإيواء عند الساكن، مع إعداد دفتر تحملات واضح وعملي؛ ثم إدماج النشاط في المنظومة الجبائية عبر صيغ مبسطة، إلى جانب تقوية المراقبة الموجهة للشقق المرتبطة بأنشطة إجرامية أو شبكات دعارة، بالتنسيق مع المنصات الرقمية.
ويتبين من هذا التحليل أن ظاهرة الشقق المفروشة في المغرب، خصوصا بعد صعود منصات مثل Airbnb، لم تعد مجرد بديل للسكن أو الفندق، بل صارت امتدادا لتحولات أعمق في الاقتصاد الحضري، وفي تمثلات المغاربة للمجال الخاص والعام، وفي علاقة الدولة بالمنصات العابرة للحدود. وإذا كان التأطير القانوني والجبائي قد خطى خطوات مهمة مع القانون 80.14 والمرسوم 2.23.441، فإن الرهان اليوم هو الانتقال من منطق النصوص إلى منطق التفعيل المتدرج والمتوازن، بما يضمن في آن واحد تشجيع الاستثمار السياحي المحلي، وحماية المستهلك والجوار، وصيانة الأمن والقيم المجتمعية. إن بناء نموذج تقنين ملائم لعصر المنصات الرقمية يقتضي النظر إلى AIRBNB وأخواتها ليس كخصم أو تهديد، بل كشركاء محتملين في تنظيم السوق، بشرط إدماجهم في المنظومة القانونية الوطنية وإخضاعهم لقواعد الشفافية والمساءلة نفسها التي يخضع لها باقي الفاعلين في قطاع الإيواء السياحي.





