بين هاجس الإفلاس ووعود التغطية الشاملة.. هل يستعد “الضمان الاجتماعي” لرفع اقتطاعات “أمو”؟

الرباط: إدريس بنمسعود

دخل نظام التأمين الإجباري عن المرض بالمغرب مرحلة دقيقة تفرض إعادة تقييم عميقة لتوازناته المالية، بعدما أطلق الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي دراسة اكتوارية واسعة تتجاوز كلفتها 400 مليون سنتيم، في خطوة تعكس حجم القلق الرسمي من مستقبل منظومة “أمو” تحت ضغط التوسع الكبير في عدد المستفيدين وارتفاع تكاليف العلاج والتعويضات الصحية.

التحرك الجديد لا يبدو مجرد إجراء تقني روتيني، بل يحمل مؤشرات واضحة على أن الدولة تتهيأ لإعادة رسم قواعد تمويل الحماية الاجتماعية خلال السنوات المقبلة، خصوصا بعد التحول التاريخي الذي عرفه الورش الملكي لتعميم التغطية الصحية منذ سنة 2021، والذي أدخل ملايين المغاربة إلى منظومة التأمين الصحي في ظرف زمني قياسي.

الدراسة المرتقبة ستشمل مختلف الأنظمة الصحية التي باتت تحت تدبير الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، سواء تعلق الأمر بموظفي القطاع العام أو أجراء القطاع الخاص أو العمال غير الأجراء، إضافة إلى نظام “أمو تضامن” المخصص للفئات الهشة و”أمو الشامل” الخاص بالأشخاص القادرين على أداء الاشتراكات دون ممارسة نشاط مهني. غير أن توسيع قاعدة المستفيدين، الذي اعتُبر في بدايته إنجازا اجتماعيا غير مسبوق، بدأ يطرح اليوم أسئلة ثقيلة حول قدرة الصندوق على مواصلة تحمل الأعباء المالية المتزايدة دون اللجوء إلى حلول مؤلمة.

وتكشف المعطيات الواردة في دفتر التحملات أن السيناريوهات المطروحة لا تستبعد مراجعة نسب الاقتطاعات أو شروط الاستفادة أو حتى إعادة النظر في التعويضات والتعريفة الوطنية المرجعية للعلاج. وهي مؤشرات يرى متابعون أنها تعكس انتقال الدولة من مرحلة “تعميم التغطية” إلى مرحلة “البحث عن التمويل المستدام”، بعدما ارتفعت نفقات الاستشفاء والأدوية والعلاجات المكلفة بوتيرة أسرع من نمو المداخيل.

وفي الوقت الذي كانت فيه الرهانات الاجتماعية تراهن على تحسين نسب التعويض وتوسيع سلة الخدمات، يبدو أن التوازنات المالية تفرض واقعا مختلفا، خاصة مع تزايد الأمراض المزمنة وارتفاع متوسط الأعمار وتوسع الاستهلاك الطبي. فكلما ارتفع عدد المؤمنين، ارتفعت معه الكلفة السنوية للنظام، وهو ما يضع الحكومة أمام معادلة معقدة بين الحفاظ على البعد الاجتماعي وضمان استمرارية التمويل.

وتبرز المقارنة بين الأنظمة المختلفة حجم التفاوت في مصادر التمويل والضغط المالي، إذ يظل نظام “أمو تضامن” الأكثر هشاشة بحكم أن الدولة تتحمل اشتراكاته بالكامل لفائدة الفئات غير القادرة على الأداء، بينما يعتمد “أمو الشامل” على مساهمات مرتبطة بنتائج السجل الاجتماعي الموحد تتفاوت حسب الوضعية الاجتماعية للأسر. كما أن استمرار تعويض بعض الأمراض المزمنة والخطيرة بنسبة تصل إلى 100 في المائة، إضافة إلى تغطية الاستشفاء العمومي والعلاجات بالخارج، يرفع بشكل كبير حجم النفقات السنوية.

وفي خلفية هذه الدراسة، يلوح سؤال أساسي: هل ستتمكن الدولة من الحفاظ على نفس مستوى التعويضات والخدمات دون رفع مساهمات المؤمنين؟ أم أن المرحلة المقبلة ستشهد انتقالا تدريجيا نحو تحميل المواطنين جزءا أكبر من كلفة العلاج؟ وهو سؤال يعيد إلى الواجهة تجارب دول عديدة اضطرت إلى مراجعة أنظمة التأمين الصحي بعد اتساع العجز المالي، رغم اختلاف السياقات الاقتصادية والاجتماعية.

اللافت أيضا أن الصفقة لم تقتصر على إنجاز الدراسة فحسب، بل تضمنت نقل الخبرة التقنية إلى أطر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، في إشارة إلى توجه المؤسسة نحو بناء منظومة داخلية دائمة لتتبع مؤشرات التوازن المالي والتدخل المبكر قبل الوصول إلى مستويات مقلقة من العجز.

وبين طموح تعميم الحماية الاجتماعية وواقع الكلفة المتصاعدة، تبدو منظومة “أمو” أمام منعطف حاسم قد يحدد مستقبل العلاقة بين الدولة والمواطن في مجال الحق في العلاج، خاصة إذا تحولت الإصلاحات المرتقبة من مجرد مراجعات تقنية إلى قرارات تمس مباشرة جيوب المؤمنين ونسب التعويض التي اعتادوا عليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى