
4500 مدرسة بلا ماء وملكية الشركات للمنتخبين: هل يحسم “الجيل الجديد” إخفاقات التنمية أم يعيد إنتاجها؟
الرباط: إستثمار
يبدو أن وزارة التجهيز والماء، بلسان نزار بركة، تراهن على مقاربة “الجيل الجديد من البرامج الترابية المندمجة” كحل سحري لمعضلة التنمية في المغرب، لكن إعادة قراءة تصريحاته تكشف عن توتر خفي بين الخطاب المطمئن للمنتخبين وحجم الإخفاقات الهيكلية التي لا تزال تعيق أبسط الخدمات. فالوزير الذي كشف خلال ندوة صحافية أن 4500 مدرسة لم يصلها الماء بعد، يطرح سؤالاً محرجاً: كيف يمكن الحديث عن “الانتقال من المنطق القطاعي إلى المندمج” بينما لا يزال عدد كبير من الأطفال، خاصة الفتيات، يُحرمون من شرط أساسي للحضور المدرسي؟ إن إقرار الوزير نفسه بأن “لا يُعقل أن تُبرمج مدرسة دون طريق وماء وإنارة” هو اعتراف ضمني بفشل النموذج السابق، لكنه أيضاً يضع اختباراً قاسياً للمقاربة الجديدة: هل ستتمكن من معالجة هذا التراكِم من الهشاشة، أم ستكرر ذات الأخطاء بحلة جديدة؟ هنا يبرز الدور الذي يُروج له الوزير للمنتخبين، حيث يؤكد أنهم لن يكونوا “مهمشين” بل سيساهمون في إعداد البرامج وتنفيذها، بل ويترأسون مستقبلاً شركات الجهوية المحدثة.
لكن التحليل النقدي يتوقف عند ثلاث مفارقات: الأولى أن هذه “التشاركية” تأتي بعد عقود من التهميش الفعلي للمجالس المنتخبة في القرارات الترابية الكبرى، فلماذا لم تُطبق سابقاً؟ الثانية أن دور المنتخبين –حتى وفق التصريح– يبدو استشارياً بالأساس (العامل يستشيرهم لتحديد الأولويات)، بينما تبقى السلطة الحقيقية في المخطط التنموي المندمج المبنى على رؤية مركزية تحددها الدولة. أما المفارقة الثالثة والأخطر، فتكمن في تحويل وكالات التنفيذ الجهوية إلى “شركات مساهمة” برئاسة رئيس الجهة (منتخب)، وهذا وإن كان خطوة إلى الأمام، إلا أنه يطرح تساؤلات حول استقلالية هذه الشركات عن النفوذ السياسي المحلي، وحول قدرتها على التنسيق الفعلي مع برامج الوزارات القطاعية التي لم تتخلَّ عن منطقها المركزي بعد.
فوزير التجهيز يتحدث عن “تكامل وتداخل” بين البرامج المحلية والجهوية والوزارية، لكن الواقع العملي يؤكد أن الصراع على الصلاحيات والموازين بين المركز والجهة ليس مجرد إشكال إداري، بل هو إشكال سياسي بامتياز.
إذا كان الملك محمد السادس قد شدد في خطابه على أهمية التشغيل والفلاحة والماء والتعليم والصحة كخدمات أساسية، فالمطلوب اليوم ليس فقط تحويل الوكالات إلى شركات أو إشراك المنتخبين في ورشات التشاور، بل مراجعة جذرية لكيفية توزيع السلطة والموارد المالية بين المركز والجهات.
إن “الجيل الجديد” كما يقدمه بركة يبدو واعداً على الورق، لكنه يظل رهيناً بقدرته على تجاوز ثنائية المركز-الجهة، وتجاوز أرقام 4500 مدرسة بلا ماء وطرق مهترئة ومناطق صناعية بدون خدمات أساسية.
المنتخبون اليوم ليسوا “مهمشين” بحسب التصريح، لكن الاختبار الحقيقي سيكون حين تتحول الوعود إلى مشاريع على الأرض، وحين يستطيع مواطن في منطقة نائية أن يلمس الفرق بين “البرامج القطاعية” و”المندمجة”، بعيداً عن لغة الخطابات والمكونات المؤسسية الجديدة.





