
بين خطاب النزاهة وواقع “التطبيع مع الرشوة”.. هل خسر المجتمع معركته الصامتة ضد الفساد؟
الرباط: ريم بنكرة
لم يكتفِ محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، بوصف الفساد كجريمة قانونية أو انحراف إداري، بل وضع إصبعه على ما يبدو أخطر من ذلك: تحوّل الفساد إلى سلوك اجتماعي مألوف يجد أحيانا من يبرره أو يتعايش معه.
فالمشكلة، وفق هذا الطرح، لم تعد مرتبطة فقط بخرق القوانين، بل بخلل عميق في منظومة القيم وفي طبيعة العلاقة بين المواطن والإدارة والمصلحة العامة.
حديث بنعليلو يعكس تحولا لافتا في مقاربة ملف ظل لسنوات يُختزل في العقوبات والزجر، بينما الواقع يكشف أن الرشوة والمحسوبية والوساطة لم تعد تُنظر إليها دائما كسلوكيات مرفوضة، بل تحولت لدى البعض إلى “وسائل عملية” لقضاء المصالح، في ظل شعور متزايد بأن احترام المساطر وحده لا يكفي للوصول إلى الحقوق.
الأخطر في هذا التشخيص أن الفساد، حسب المسؤول ذاته، لا ينمو فقط بسبب جشع الأفراد، بل أيضا بسبب ممارسات إدارية تفتقد للشفافية والمساواة، حين تصبح القوانين قابلة للتأويل الانتقائي أو تتحول الإدارة من حاجز ضد الفساد إلى بيئة تدفع إليه بشكل غير مباشر. وهنا يظهر جوهر الأزمة: المواطن لا يفقد فقط الثقة في المؤسسات، بل يبدأ تدريجيا في التكيف مع الفساد باعتباره “أمرا عاديا”.
وفي مقابل ما سماه “عدوى الفساد”، دعا بنعليلو إلى صناعة “عدوى النزاهة”، عبر تقديم النماذج الإيجابية وربط احترام القانون بالقناعة الأخلاقية لا بالخوف من العقوبة فقط. غير أن هذا الرهان، رغم وجاهته، يطرح تحديا حقيقيا: كيف يمكن إقناع المجتمع بثقافة النزاهة في ظل استمرار مظاهر الريع والامتيازات والوساطات التي يراها المواطن يوميا؟
رسائل رئيس هيئة محاربة الرشوة بدت أقرب إلى اعتراف ضمني بأن المعركة ضد الفساد لم تعد معركة مؤسسات فقط، بل معركة وعي جماعي أيضا، لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس انتشار الفساد وحده، بل الاعتياد عليه إلى درجة فقدان القدرة على رفضه أو حتى استنكاره.





