عنوان: “شركات التنمية” أم شركات الهروب من المحاسبة؟ حين يتحول المال العام إلى غنيمة بلا حساب

الرباط: الدكتور المهدي الجرباوي

يبدو أن وزارة الداخلية قررت أخيراً إعادة تعريف مفهوم الحكامة، لكن ليس كما فهمه المغاربة في الدستور أو كما تدرسه هيئات الرقابة الدولية، بل وفق مقاربة جديدة قوامها: كلما تقلصت المراقبة اتسعت التنمية، وكلما ابتعدت المحاسبة تسارعت المشاريع. وهكذا وُلدت الوصفة “السحرية” لتجاوز أعطاب التدبير العمومي؛ تحويل الوكالات الجهوية إلى شركات مساهمة، ومنحها حرية التصرف في مليارات الدراهم بعيداً عن أعين المجلس الأعلى للحسابات وعن مقتضيات القانون المنظم للمراقبة المالية للدولة.

المفارقة الصادمة أن الدولة لا تتحدث هنا عن شركات خاصة تستثمر أموال مساهمين يخاطرون برأسمالهم، بل عن كيانات تمول بالكامل من المال العام، ومع ذلك يراد لها أن تتمتع بحصانة شبه مطلقة من الرقابة الصارمة.

فبمجرد تغيير اللافتة الإدارية وتعويض صفة “مؤسسة عمومية” بعبارة “شركة مساهمة”، يصبح بالإمكان تمرير نموذج جديد للتدبير عنوانه العريض: المرونة أولاً… حتى ولو كان الثمن هو إضعاف آليات حماية المال العام.

الخطير في الخطاب الرسمي ليس فقط محاولة تبرير هذا التوجه، بل تصوير أجهزة الرقابة وكأنها عبء على الاستثمار وعائق أمام التنمية.

وكأن طلب الفواتير والتدقيق في الصفقات ومراقبة دفاتر التحملات تحولت فجأة إلى أعمال تخريبية تعرقل “قطار المشاريع”. هنا ينقلب المنطق رأساً على عقب؛ ففي الدول التي تحترم أموال مواطنيها تعتبر الرقابة ضمانة للنجاعة، بينما يجري تقديمها عندنا كعقبة بيروقراطية يجب التخلص منها.

وفي العمق، لا يتعلق الأمر فقط بنقاش تقني حول آليات التدبير، بل بإعادة توزيع السلطة داخل الجهات. فحين يصبح تعيين المدراء بيد وزارة الداخلية، ويتحول هؤلاء إلى آمرين بالصرف يتحكمون في مليارات الدراهم، بينما يقتصر دور المنتخبين على رئاسة شكلية لمجالس إدارية قد لا تملك سلطة فعلية، فإننا أمام هندسة جديدة للقرار المالي الجهوي، عنوانها نقل النفوذ من المؤسسات المنتخبة نحو الإدارة المركزية تحت غطاء “النجاعة”.

الأكثر إثارة للسخرية أن مفهوم “القطاع الخاص” الذي يتم تسويقه هنا لا يحمل من القطاع الخاص سوى اسمه.

فالمقاول الحقيقي يراقب الدرهم قبل صرفه لأنه يخاطر بماله الشخصي، أما في هذه الصيغة الجديدة فالمخاطرة جماعية والخسائر مؤممة سلفاً. وإذا فشلت المشاريع أو انفجرت الفضائح، فإن دافع الضرائب هو من سيدفع الفاتورة في النهاية، بينما سيظل المسؤول الفعلي غارقاً في متاهة الاختصاصات وتبادل المسؤوليات.

ثم إن الحديث عن “الافتحاص الداخلي” كبديل لرقابة المحاكم المالية يطرح أسئلة مقلقة حول معنى الاستقلالية والشفافية. لأن الرقابة التي تمارس من داخل نفس المنظومة تظل محدودة الأثر، خصوصاً حين يتعلق الأمر بمشاريع ضخمة تتجاوز ميزانياتها مليارات الدراهم. فهل يعقل أن تصبح الجهة ممولاً ضخماً لمشاريع عمومية دون أن تخضع لرقابة مؤسسات دستورية مستقلة؟

ما يجري اليوم يوحي بأننا أمام مرحلة جديدة من “الجهوية المتقدمة”، لكن بصيغة مقلوبة؛ جهوية تمنح المال بسخاء، وتسحب في المقابل أدوات المحاسبة. والنتيجة المحتملة ليست تسريع الاستثمار كما يروج لذلك، بل خلق مناطق رمادية واسعة يتحرك فيها المال العام بحرية مقلقة، تحت شعار الثقة والمرونة والفعالية.

وفي النهاية، قد يكتشف المغاربة بعد سنوات أن المشكلة لم تكن يوماً في كثرة الرقابة، بل في غياب الإرادة الحقيقية لربط المسؤولية بالمحاسبة.

أما إذا أصبح الحل لكل تعثر هو إبعاد القضاة والمراقبين ورفع القيود القانونية، فربما سنصل قريباً إلى مرحلة تصبح فيها الشفافية نفسها تهمة تعرقل التنمية، ويصبح السؤال عن مصير المليارات نوعاً من التشويش غير المرغوب فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى