
المغرب يربح أرقام النمو ويخسر معركة الشغل… بطالة الشباب والنساء تكشف الوجه القاسي للاقتصاد
الرباط: إستثمار
تكشف الأرقام الجديدة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط أن أزمة الشغل في المغرب لم تعد مجرد اختلال ظرفي مرتبط بتقلبات الاقتصاد، بل تحولت إلى معضلة بنيوية تفضح حدود السياسات العمومية في خلق فرص عمل مستقرة وعادلة. فرغم الخطابات المتفائلة حول الاستثمار والإصلاحات الاقتصادية، ما تزال سوق الشغل تنتج مزيدًا من القلق الاجتماعي، خصوصًا لدى الشباب والنساء وسكان المدن.
بلوغ معدل البطالة 10.8 في المائة خلال الفصل الأول من سنة 2026 لا يبدو رقمًا عابرًا، بل مؤشرًا على اتساع الهوة بين النمو الاقتصادي والقدرة الحقيقية على إدماج المواطنين في الدورة الإنتاجية.
الأخطر أن البطالة الحضرية وصلت إلى 13.5 في المائة، ما يعكس فشل المدن، التي يفترض أن تكون محركات الاقتصاد، في استيعاب اليد العاملة المتزايدة. وفي المقابل، تبدو القرى أقل تضررًا رقميًا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحسنًا فعليًا، بقدر ما يعكس انتشار العمل الهش وغير المهيكل الذي يخفي بطالة مقنعة أكثر من كونه يوفر شغلاً مستقراً.
المعطيات المتعلقة بالنساء تفضح بدورها استمرار الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية، بعدما بلغت بطالة النساء 16.1 في المائة مقابل 9.4 في المائة لدى الرجال. هذه الأرقام لا تعكس فقط ضعف فرص الإدماج المهني، بل تشير أيضًا إلى استمرار العراقيل المرتبطة بالولوج إلى سوق الشغل، سواء بسبب التكوين أو غياب العدالة المهنية أو هشاشة شروط العمل.
أما الشباب، فيبدون الخاسر الأكبر في المعادلة الاقتصادية الحالية.
فحين تصل البطالة لدى الفئة العمرية ما بين 15 و24 سنة إلى 29.2 في المائة، فهذا يعني أن جيلاً كاملاً يعيش على هامش الإنتاج، في وقت تتزايد فيه الوعود الرسمية حول التشغيل والتمكين الاقتصادي. وتتحول الأزمة إلى ناقوس خطر حقيقي عندما تمتد البطالة حتى إلى الفئة العمرية بين 25 و34 سنة بنسبة 16.1 في المائة، وهي الفئة التي يفترض أن تكون في ذروة العطاء المهني والاستقرار الاجتماعي.
الأرقام المتعلقة بالشغل الناقص تكشف بدورها أن الأزمة لا ترتبط فقط بعدد من لا يشتغلون، بل حتى بمن يشتغلون في ظروف غير كافية. وجود 671 ألف شخص في وضعية شغل ناقص بسبب قلة ساعات العمل يؤكد أن جزءًا كبيرًا من مناصب الشغل الحالية لا يوفر الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، ما يجعل التشغيل نفسه عاجزًا عن حماية الفئات الهشة من الفقر والهشاشة.
الأكثر إثارة للقلق هو ارتفاع عدد الأشخاص المصنفين ضمن “القوة العاملة المحتملة”، وهم القادرون على العمل لكنهم خارج سوق الشغل، إلى 884 ألف شخص. هذا الرقم يعكس حالة فقدان ثقة متنامية في قدرة السوق على توفير فرص حقيقية، ويكشف وجود كتلة بشرية واسعة مستعدة للعمل لكنها لا تجد منفذًا فعليًا للاندماج الاقتصادي.
المؤشرات المركبة التي قدمتها المندوبية ترسم صورة أكثر قتامة من معدل البطالة التقليدي.
فعندما يصل مؤشر الاستخدام غير الكامل للقوى العاملة إلى 22.5 في المائة، ويرتفع إلى 45.3 في المائة لدى الشباب، فهذا يعني أن نصف الشباب تقريبًا يعيشون إما بطالة مباشرة أو هشاشة مهنية أو ابتعادًا قسريًا عن سوق العمل. وهي معطيات تضع السياسات الحكومية أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى قدرتها على تحويل النمو والاستثمارات إلى فرص شغل فعلية، بدل الاكتفاء بتحسين المؤشرات الاقتصادية الكبرى.
ورغم أهمية اعتماد الجيل الجديد من بحوث سوق الشغل وفق معايير منظمة العمل الدولية، فإن تحديث أدوات القياس لا يغير واقعًا يزداد تعقيدًا، حيث تبدو الفجوة متسعة بين طموحات المغاربة وإيقاع الاقتصاد الوطني. فالمعضلة اليوم لم تعد فقط في توفير مناصب شغل، بل في بناء نموذج اقتصادي قادر على منح المواطنين شعورًا حقيقيًا بالأمان المهني والكرامة الاجتماعية.





