بين ركود الخدمات وصمود تجارة الجملة.. هل يبعث الاقتصاد المغربي إشارات متناقضة؟

الرباط: إستثمار

تكشف المعطيات الأخيرة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط صورة اقتصادية تحمل قدرا من التباين بين قطاع الخدمات التجارية غير المالية وقطاع تجارة الجملة، ما يعكس استمرار حالة الحذر التي تطبع مناخ الأعمال بالمغرب خلال سنة 2026، رغم وجود مؤشرات توحي بإمكانية استعادة جزء من الدينامية خلال الأشهر المقبلة.

ففي الوقت الذي سجل فيه قطاع الخدمات التجارية غير المالية تراجعا في النشاط الإجمالي حسب نصف أرباب المقاولات المستجوبين، مقابل 24 في المائة فقط أكدوا تسجيل ارتفاع، أظهر قطاع تجارة الجملة قدرة أكبر على الحفاظ على التوازن، حيث تحدثت غالبية المقاولات عن استقرار المبيعات بالسوق الداخلي، مع تسجيل ارتفاع لدى نسبة محدودة من الفاعلين.

هذا الاختلاف يعكس طبيعة التحديات التي تواجه كل قطاع؛ فالخدمات تبقى أكثر حساسية للتقلبات الاقتصادية والطلب الاستهلاكي، بينما تستفيد تجارة الجملة من ارتباطها المباشر بسلاسل التوزيع والتموين.

وتبرز المقارنة بين القطاعين أن الأنشطة المرتبطة بالنقل والاتصالات كانت الأكثر تأثرا داخل قطاع الخدمات، خاصة النقل الجوي والاتصالات، في حين ساهمت أنشطة التخزين والخدمات اللوجستية والنقل عبر المياه في التخفيف من حدة التراجع.

أما في تجارة الجملة، فقد شكلت المواد الغذائية والمشروبات والتبغ والمنتجات الفلاحية دعامة أساسية لاستقرار السوق، وهو ما يعكس استمرار الطلب على السلع الأساسية رغم الضغوط الاقتصادية.

ومن زاوية التشغيل، تبدو وضعية الخدمات أكثر حيوية مقارنة بتجارة الجملة، إذ صرح 37 في المائة من أرباب المقاولات بارتفاع عدد المشتغلين، مقابل هيمنة الاستقرار على سوق الشغل داخل تجارة الجملة بنسبة بلغت 84 في المائة. ويؤشر هذا المعطى إلى أن بعض الأنشطة الخدماتية ما تزال تراهن على التوسع والاستثمار في الموارد البشرية رغم تراجع النشاط العام.

كما تكشف الأرقام المتعلقة بقدرة الإنتاج المستعملة، والتي بلغت 74 في المائة بقطاع الخدمات، أن جزءا مهما من الإمكانات الإنتاجية لا يزال غير مستغل بالكامل، وهو ما يعكس وجود هامش للنمو في حال تحسن الطلب. وفي المقابل، حافظت تجارة الجملة على مستويات مخزون وأسعار بيع وُصفت في أغلبها بالعادية، ما يعكس نوعا من التوازن الحذر بين العرض والطلب.

لكن اللافت في نتائج البحث هو الفارق بين واقع الفصل الأول وتوقعات الفصل الثاني من السنة. فبعد مرحلة اتسمت بالتباطؤ، يتوقع عدد مهم من أرباب المقاولات تحسن النشاط خلال الأشهر المقبلة، خاصة في قطاع الخدمات، حيث ينتظر 46 في المائة منهم ارتفاع النشاط الإجمالي، مدفوعا بانتعاش النقل الجوي والخدمات اللوجستية والإيواء. كما يتوقع جزء مهم منهم ارتفاع الطلب وتحسن فرص التشغيل.

أما في قطاع تجارة الجملة، فتسود نظرة أكثر تحفظا، إذ يراهن أغلب الفاعلين على استمرار الاستقرار بدل تحقيق قفزات نوعية في المبيعات. ورغم توقع ارتفاع بعض الأنشطة المرتبطة بالمنتجات الفلاحية والمواد الغذائية، فإن المؤشرات العامة تعكس استمرار منطق الانتظار والترقب.

وتؤكد هذه المعطيات أن الاقتصاد المغربي يوجد في مرحلة انتقالية تتداخل فيها مؤشرات التباطؤ مع بوادر التعافي. فبين قطاع خدمات يعاني من آثار التراجع لكنه يراهن على انتعاش قريب، وقطاع تجارة جملة يحافظ على توازنه دون تحقيق نمو قوي، تبدو الأشهر المقبلة حاسمة لاختبار مدى قدرة السياسات الاقتصادية وتحسن الطلب الداخلي على تحويل التفاؤل المعلن إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى