هل فشلت الحكومة في إنصاف المقاولات الصغرى أم أن الصفقات العمومية ما زالت حكراً على الكبار؟

الرباط: إدريس بنمسعود

رغم مرور سنوات على اعتماد مقتضيات تمنح المقاولات الصغرى والمتوسطة حصة تصل إلى 30 في المائة من الصفقات العمومية، إلا أن الواقع يكشف أن هذا الامتياز ظل، إلى حد كبير، رهين النصوص القانونية أكثر مما تحول إلى فرصة حقيقية لتعزيز حضور هذه المقاولات داخل السوق العمومية.

وقد جاء اعتراف وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، يونس السكوري، بوجود اختلالات تعيق استفادة هذه الفئة من المقاولات، ليؤكد أن الفجوة ما زالت قائمة بين الطموح التشريعي والتنزيل العملي.

ويكتسي هذا الاعتراف أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي تحتلها المقاولات الصغرى والمتوسطة داخل الاقتصاد الوطني، إذ تمثل العمود الفقري للنسيج المقاولاتي المغربي، وتوفر نسبة مهمة من فرص الشغل والاستثمار. غير أن هذه المقاولات تجد نفسها في مواجهة عراقيل متعددة، أبرزها صعوبة الولوج إلى التمويل، وتقلبات الظرفية الاقتصادية، فضلاً عن محدودية استفادتها من الطلبيات العمومية التي يفترض أن تشكل رافعة أساسية لنموها واستدامتها.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة أن برامج دعم التشغيل الموجهة للمقاولات الناشئة مكنت من إحداث ما يقارب 100 ألف منصب شغل بعقود غير محددة المدة، فإن هذه الأرقام، رغم أهميتها، تطرح تساؤلات حول مدى قدرة السياسات العمومية على خلق بيئة اقتصادية متوازنة تضمن للمقاولات الصغيرة فرصاً متكافئة مع الشركات الكبرى. فخلق مناصب الشغل يظل مؤشراً إيجابياً، لكنه لا يلغي الحاجة إلى معالجة الأسباب البنيوية التي تجعل المقاولات الصغرى أقل قدرة على المنافسة والفوز بالصفقات العمومية.

ويبدو أن الإشكال لا يرتبط بغياب النصوص القانونية، بقدر ما يرتبط بآليات التطبيق والمراقبة.

فوجود “كوطا” مخصصة لهذه المقاولات لم يمنع استمرار الشكاوى بشأن ضعف الاستفادة الفعلية منها، ما يثير أسئلة حول مدى احترام الإدارات والمؤسسات العمومية لفلسفة المرسوم وأهدافه التنموية.

كما أن الحديث عن إمكانية مراجعة مرسوم الصفقات العمومية يكشف ضمنياً أن الصيغة الحالية لم تحقق النتائج المنتظرة، وأن الحاجة أصبحت ملحة لإعادة النظر في شروط الولوج وآليات التتبع والتقييم.

وفي جانب آخر، استعرض الوزير معطيات مرتبطة بسوق الشغل، مشيراً إلى تراجع تشغيل الأطفال بنسبة 59 في المائة منذ سنة 2017، وهو مؤشر يعكس تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، خاصة مع تقلص عدد الأطفال العاملين إلى نحو 100 ألف طفل، أغلبهم في الوسط القروي. غير أن هذا الإنجاز لا يخفي استمرار تحديات اجتماعية واقتصادية تدفع آلاف الأسر إلى الاعتماد على مساهمة أبنائها في الأنشطة الفلاحية والأعمال العائلية، ما يعني أن القضاء النهائي على الظاهرة يظل رهيناً بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالمجالات القروية.

كما أن اعتراف الوزير باستمرار أزمة البطالة وفقدان عدد من مناصب الشغل خلال السنوات الأخيرة يعكس حجم الضغوط التي تواجهها سوق العمل المغربية.

ورغم تسجيل مؤشرات إيجابية من خلال استرجاع جزء من فرص الشغل المفقودة، خصوصاً في قطاعات البناء والخدمات والصناعة، فإن هذه الأرقام تبقى دون مستوى التحديات المطروحة، خاصة في ظل الطلب المتزايد على فرص العمل وتنامي أعداد الوافدين الجدد إلى السوق.

وتبرز إشكالية العمل الموسمي كواحدة من أكثر الملفات تعقيداً، بالنظر إلى هشاشة هذه الفئة وارتباطها المباشر بالقطاع الفلاحي الذي تأثر خلال السنوات الأخيرة بتداعيات الجفاف والتغيرات المناخية. لذلك فإن إطلاق برامج خاصة بهذه الفئة يعد خطوة ضرورية، لكنها تحتاج إلى رؤية أشمل تضمن الحماية الاجتماعية والاستقرار المهني لفئات واسعة من العمال.

في المحصلة، تكشف تصريحات الوزير عن مفارقة واضحة بين المؤشرات الإيجابية التي تسوقها الحكومة وبين التحديات الهيكلية التي ما زالت تعيق تحقيق نتائج أكثر عمقاً. فالمقاولات الصغرى والمتوسطة لا تزال تنتظر ترجمة فعلية للامتيازات الممنوحة لها، وسوق الشغل ما زالت تبحث عن حلول مستدامة لمعضلة البطالة والهشاشة. وبين الاعتراف بالمشكلات والإعلان عن نية الإصلاح، يبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التنفيذ الفعلي الذي يضمن أثراً ملموساً على أرض الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى