
سبتة على صفيح ساخن.. كيف أعادت ليلة واحدة رسم معادلة الهجرة بين المغرب وإسبانيا وأوروبا؟
الرباط: إستثمار (مقال إستقصائي وتحليلي)
في أقل من أربع وعشرين ساعة تحولت مدينة سبتة المحتلة إلى بؤرة الاهتمام في أوروبا. آلاف المهاجرين تجمعوا عند الحدود، مئات تمكنوا من العبور سباحة أو عبر الحواجز والسلطات الإسبانية استنفرت قواتها الأمنية والعسكرية، بينما وجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام اختبار جديد لسياسة الهجرة التي طالما اعتبر المغرب أحد أهم ركائزها.
لكن ما وقع لا يمكن اختزاله في “محاولة هجرة جماعية”. فخلف الصور التي تصدرت وسائل الإعلام، تختبئ أسئلة أكثر تعقيداً: لماذا تكررت الأزمة في هذا التوقيت؟ وهل يتعلق الأمر بانفجار اجتماعي داخل المغرب؟ أم بفشل السياسات الأوروبية في إدارة الهجرة؟ أم أن سبتة أصبحت مرة أخرى ورقة ضغط متبادلة في علاقة تتأرجح بين التعاون والتوتر؟
هذا التحقيق يحاول تفكيك المشهد بعيداً عن الخطابات الجاهزة.
ليلة قلبت المشهد
بدأت المؤشرات الأولى للأزمة مع تزايد تجمعات شبان مغاربة بالقرب من محيط سبتة، قبل أن تتسارع الأحداث بشكل غير مسبوق، حيث حاولت أعداد كبيرة الوصول إلى المدينة عبر البحر أو السياج الحدودي.
وتحدثت وسائل إعلام إسبانية عن واحدة من أكبر محاولات العبور منذ أزمة 2021، بينما دفعت مدريد بتعزيزات أمنية إضافية وأطلقت عمليات لإعادة جزء من الوافدين في وقت قياسي.
اللافت أن الأزمة جاءت في ذروة عملية “مرحبا 2026″، التي تشهد سنوياً أكبر حركة عبور للجالية المغربية المقيمة بالخارج، وهو ما فرض ضغطاً إضافياً على المعابر الحدودية والموانئ.
وتشير المعطيات الرسمية الإسبانية إلى أن العملية جرت هذا العام في ظل تطبيق نظام الدخول والخروج الأوروبي الجديد (EES)، مع تنسيق وثيق بين السلطات الإسبانية والمغربية لتفادي الازدحام وتعزيز الأمن.
هل كانت أزمة مفاجئة؟
الجواب الأقرب إلى الواقع هو: لا.
فالأزمة لم تولد في يوم واحد، بل سبقتها مؤشرات متراكمة خلال الأشهر الماضية.
فعلى المستوى الاقتصادي، لا يزال جزء من الشباب المغربي يرى في الهجرة فرصة لتحسين أوضاعه رغم التحسن الذي تعرفه بعض المؤشرات الاقتصادية الوطنية. وفي المقابل، شددت أوروبا خلال السنوات الأخيرة سياساتها الخاصة بالحدود، ورفعت من وتيرة الإبعاد والترحيل، وأعادت صياغة منظومة اللجوء والهجرة على أساس الردع أكثر من الاستقبال.
أما على المستوى الحدودي، فقد شهد معبر باب سبتة خلال الأسابيع السابقة للأحداث اختناقات وانتقادات متكررة بسبب طول فترات الانتظار والإجراءات التقنية الجديدة، وهو ما كشف هشاشة المنظومة الحدودية أمام أي ضغط استثنائي.
الإعلام الإسباني… بين الأمن والسياسة
منذ الساعات الأولى، انقسمت وسائل الإعلام الإسبانية إلى مدرستين واضحتين.
الصحف المحافظة واليمينية ركزت على البعد الأمني، واعتبرت أن ما وقع يمثل “اختباراً لسيادة الدولة الإسبانية” ودعت إلى تشديد الرقابة على الحدود وتسريع عمليات الإعادة.
أما الصحف القريبة من تيار الوسط واليسار، فطرحت أسئلة مختلفة، من بينها الأسباب الاجتماعية للهجرة، وفعالية السياسة الأوروبية، وضرورة تجنب تحويل المهاجرين إلى مادة للصراع السياسي الداخلي.
هذا الانقسام ليس جديداً، بل يعكس الاستقطاب السياسي داخل إسبانيا، حيث أصبح ملف الهجرة إحدى أهم أوراق المنافسة بين الحكومة والمعارضة، خصوصاً مع صعود اليمين المتطرف الذي يجعل من سبتة ومليلية رمزاً للسيادة والحدود.
الرباط… سياسة الصمت المحسوب
على الجانب المغربي، بدا التعامل مع الأزمة مختلفاً.
لم تصدر تصريحات سياسية حادة، ولم تدخل الرباط في سجال إعلامي مع مدريد، بل فضلت اعتماد المقاربة الأمنية والتنسيق الميداني، وهو ما ينسجم مع السياسة التي انتهجتها المملكة منذ استئناف العلاقات الطبيعية مع إسبانيا بعد أزمة 2021.
ويقرأ عدد من المراقبين هذا الموقف باعتباره محاولة للحفاظ على المكاسب التي تحققت في العلاقات الثنائية، خاصة بعد التحول الكبير الذي عرفته المواقف الإسبانية بشأن قضية الصحراء، حيث أصبح التعاون الأمني والهجرة أحد أعمدة الشراكة بين البلدين.
أوروبا… بين الامتنان والقلق
داخل بروكسيل، لا يُنظر إلى المغرب باعتباره مجرد بلد عبور، بل باعتباره شريكاً استراتيجياً في حماية الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي.
لكن المفارقة أن كل أزمة تعيد طرح السؤال نفسه: إلى أي حد تستطيع أوروبا الاعتماد على التعاون مع دول الجوار دون معالجة الأسباب العميقة للهجرة؟
فالتشديد الأمني قد يحد من العبور مؤقتاً، لكنه لا يزيل الدوافع الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم.
وهنا تظهر معضلة السياسة الأوروبية: الاستثمار في أمن الحدود أكثر من الاستثمار في التنمية المشتركة.
ما وراء المشهد
تكشف أزمة سبتة الأخيرة أن الهجرة لم تعد مجرد قضية إنسانية، بل أصبحت ملفاً جيوسياسياً بامتياز.
إسبانيا تحتاج إلى المغرب لضبط الحدود.
والمغرب يحتاج إلى شراكة متوازنة مع أوروبا في ملفات الاستثمار والتنمية والتنقل.
أما الاتحاد الأوروبي، فيحاول الموازنة بين حماية حدوده واحترام التزاماته الحقوقية، وهي معادلة تبدو أكثر صعوبة مع كل أزمة جديدة.
وهكذا، فإن ما وقع في سبتة ليس نهاية قصة، بل بداية مرحلة جديدة من النقاش حول مستقبل الهجرة في غرب المتوسط، وحدود التعاون بين الرباط ومدريد، والدور الذي سيظل المغرب يؤديه في السياسة الأوروبية للهجرة.
.





