“صفقة ترامب” تهز عرش الفيفا واستقالة مدوية تعمق أزمة إنفانتينو

الرباط: إدريس بنمسعود

في تطور غير مسبوق، يواجه الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أزمة وجودية تهدد بتغيير ملامح اللعبة الأكثر شعبية في العالم، بعد أن أثارت خطة مثيرة للجدل لإنشاء شركة تجارية تضم مستثمرين مقربين من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة احتجاجات عارمة، انتهت باستقالة أحد أبرز مستشاري رئيس الاتحاد جياني إنفانتينو، ووصلت إلى حد تهديد الاتحاد الأوروبي بمقاطعة بطولات الفيفا، في مشهد يعكس الانقسام الحاد داخل أروقة المؤسسة الكروية.

وتقوم الخطة، التي تحمل اسم “فيفا فورورد إنتربرايز”، على إنشاء كيان تجاري يدير الحقوق التسويقية لكأس العالم والبطولات الأخرى، مع فتح الباب أمام مستثمرين من القطاع الخاص لامتلاك حصة تصل إلى 20% من أسهمها، في صفقة تقدر قيمة الشركة بنحو 20 مليار دولار، بينما يأمل الفيفا في جمع أكثر من أربعة مليارات دولار لتوسيع موارده المالية المخصصة لتطوير كرة القدم، مع وعود بزيادة التمويل الموجه للاتحادات الوطنية إلى عشرة مليارات دولار خلال أربع سنوات.

لكن هذه الوعود المالية لم تنجح في طمأنة المعارضين، حيث جاءت الضربة الأولى من داخل الدائرة المقربة لإنفانتينو نفسه، عندما أعلن كارلوس كورديرو، الذي عينه رئيس الفيفا مستشاراً عام 2021، استقالته الفورية، معتبراً أن المشروع “صفقة سيئة لكرة القدم” و”يهدد مستقبل اللعبة”، ومؤكداً أنه لم يشارك في إعداد المقترح الذي وصفه بالمغامرة غير المحسوبة. ولم تتوقف الانتقادات عند هذا الحد، بل انضم إليها كيفن لامور، المدير التنفيذي للعمليات في الفيفا، الذي وصف المشروع بـ”مبادرة شخص واحد” واتهم إنفانتينو بتضليل الموظفين، في واحدة من أقسى الهجمات الداخلية التي تواجه قيادة الاتحاد الدولي منذ سنوات.

في المقابل، حاول الفيفا احتواء الأزمة عبر بيان رسمي أكد فيه أن الحديث عن “بيع كرة القدم” غير صحيح، وأن المستثمرين سيبقون مجرد مساهمين أقلية، مع بقاء الحوكمة والقرارات الرياضية والروزنامة من اختصاص الاتحاد حصراً، مشدداً على أن أي خطوة نهائية لن تتخذ إلا بعد موافقة أغلبية الاتحادات الأعضاء البالغ عددها 211 اتحاداً. لكن هذه التطمينات لم تنجح في وقف زحف المعارضة، بل على العكس، اتسعت رقعة الرافضين لتشمل أبرز الاتحادات القارية.

قاد الاتحاد الأوروبي (يويفا) حملة المعارضة، معتبراً أن الخطة تعرض “روح كرة القدم” للبيع، وملوحاً بمقاطعة بطولات الفيفا، قبل أن يصوت ممثلو الاتحادات الأوروبية الخمسة والخمسين بالإجماع على رفض المقترح، في خطوة غير مسبوقة تعكس حجم التوتر بين المؤسستين. وسارع اتحاد أمريكا الشمالية والوسطى (كونكاكاف) إلى إعلان رفضه للمشروع، وإن اختار عدم التلويح بالمقاطعة، بينما أعلن الاتحاد الآسيوي تضامنه مع الموقفين الأوروبي والأمريكي، معتبراً أن المشروع لا يمكنه تحقيق الإجماع الضروري في ظل الانقسامات الحالية، وداعياً إلى مراجعة عاجلة لمنظومة الحوكمة داخل الفيفا.

في غضون ذلك، اتخذت الاتحادات الأخرى مواقف متباينة، حيث اكتفى اتحاد أوقيانوسيا بدعوة أعضائه لدراسة المشروع، بينما فضل الاتحاد الإفريقي التريث قبل اتخاذ موقف نهائي، وظل اتحاد أمريكا الجنوبية (كونميبول) خارج دائرة التعليق الرسمي. لكن الأزمة تجاوزت الحدود الرياضية إلى الساحة السياسية، عندما اعتبر رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنام أن مجرد التفكير في المشروع يثبت أن إنفانتينو “ليس الشخص المناسب لقيادة الفيفا”، ووصف الخطة بأنها “اقتراح فاضح”، بينما أعلن المدرب الإسباني شابي ألونسو دعمه للمعارضين، مؤكداً أن كرة القدم يجب أن تبقى “ملكاً للجماهير” وليس للمستثمرين.

وبرز في خضم هذه التطورات اسم المستثمر الأمريكي جوشوا كوشنر، مؤسس شركة “ثرايف كابيتال” وشقيق جاريد كوشنر صهر الرئيس ترامب، بوصفه المرشح لقيادة مجموعة المستثمرين، مما زاد من الأبعاد السياسية للقضية، رغم أن ترامب نفى إجراء أي محادثات مع إنفانتينو بشأن الخطة، مؤكداً خلال اجتماع لمجلس الوزراء أنه لم يناقش مع رئيس الفيفا مسألة بيع الحقوق التجارية للاتحاد الدولي.

ويرى المعارضون أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الأموال التي قد يوفرها المشروع، بل في السابقة الخطيرة التي سيؤسس لها بفتح الباب أمام نفوذ القطاع الخاص في أهم أصول كرة القدم العالمية، مما قد يؤدي مستقبلاً إلى تغليب منطق الربح على الاعتبارات الرياضية، بينما يصر الفيفا على أن المشروع يمثل فرصة تاريخية لتعزيز موارد اللعبة وتقليص الفوارق المالية بين الاتحادات. وتأتي هذه الأزمة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لإنفانتينو، الذي يستعد لخوض انتخابات الرئاسة العام المقبل، وسط تقارير عن احتمال ترشح رئيس كونكاكاف فيكتور مونتاياني لمنافسته، مما يجعل معركة “فيفا فورورد إنتربرايز” اختباراً حقيقياً لمستقبل قيادة الاتحاد الدولي وقدرة إنفانتينو على الحفاظ على الإجماع داخل المؤسسة التي تدير اللعبة الأكثر شعبية في العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى