هل بدأ سوق الشغل المغربي يتعافى فعلاً؟.. أرقام متفائلة تخفي تحديات البطالة النسائية والشبابية

الرباط: المهدي الجرباوي

بعثت المندوبية السامية للتخطيط بإشارات إيجابية حول تطور سوق الشغل خلال الفصل الثاني من سنة 2026، بعدما كشفت عن تراجع معدل البطالة إلى 9.5 في المائة مقابل 10.8 في المائة خلال الفصل الأول من السنة، إلى جانب إحداث 279 ألف منصب شغل جديد وارتفاع معدل المشاركة في سوق العمل إلى 42.2 في المائة.

غير أن القراءة المتأنية لهذه المؤشرات تكشف أن التحسن المسجل، رغم أهميته، لا يعني بالضرورة أن سوق الشغل المغربي تجاوز اختلالاته البنيوية، بل يعكس بداية تعافٍ لا يزال محفوفاً بتحديات عميقة تتعلق بجودة فرص العمل، واستمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية، وارتفاع البطالة في صفوف الشباب والنساء وحاملي الشهادات.

وتكتسي هذه النتائج أهمية خاصة لأنها تستند إلى بحث جديد حول القوى العاملة أنجز وفق أحدث المعايير الدولية المعتمدة من طرف منظمة العمل الدولية، وهو ما يجعل المقارنة المباشرة مع الإحصائيات السابقة غير ممكنة بسبب اختلاف المنهجية المعتمدة.

ورغم أن هذا التغيير يمنح صورة أكثر دقة عن واقع سوق الشغل، فإنه يفرض في المقابل التعامل بحذر مع أي استنتاجات تقارن الأرقام الحالية بالسنوات الماضية، لأن المندوبية نفسها تؤكد ضرورة اعتماد السلاسل الزمنية الجديدة لإجراء أي تقييم موضوعي.

ويعكس ارتفاع حجم القوى العاملة إلى أكثر من 11.7 مليون شخص وزيادة عدد المشتغلين بأكثر من ربع مليون منصب خلال ثلاثة أشهر دينامية اقتصادية أفضل مقارنة ببداية السنة، خاصة أن معظم فرص الشغل الجديدة تركزت في الوسط الحضري، وهو ما قد يرتبط باستعادة قطاعات الخدمات والصناعة والبناء لجزء من نشاطها بعد أشهر من التباطؤ.

كما أن توزيع مناصب الشغل الجديدة يكشف استمرار هيمنة قطاع الخدمات باعتباره المحرك الرئيسي للتشغيل في المغرب، بعدما وفر وحده 166 ألف منصب، متقدماً بفارق كبير على الصناعة والبناء والفلاحة.

ويؤكد هذا المعطى التحول التدريجي الذي يعرفه الاقتصاد الوطني نحو الأنشطة الخدمية، لكنه يطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول جودة هذه الوظائف واستقرارها، ومدى قدرتها على خلق قيمة مضافة مرتفعة أو توفير حماية اجتماعية كافية للعاملين بها.

ورغم التحسن العام، فإن الأرقام تكشف أن سوق الشغل لا يزال يعاني من اختلالات هيكلية واضحة، أولها الفجوة الكبيرة بين الرجال والنساء. فمعدل مشاركة النساء لم يتجاوز 18.1 في المائة، مقابل 66.5 في المائة لدى الرجال، وهي واحدة من أكبر الفوارق التي يعرفها سوق العمل المغربي منذ سنوات.

ولا يقتصر الأمر على ضعف مشاركة النساء، بل يمتد أيضاً إلى ارتفاع معدل البطالة في صفوفهن إلى 14.8 في المائة، مقابل 8.1 في المائة لدى الرجال، وهو ما يعكس استمرار العراقيل الاقتصادية والاجتماعية التي تحد من ولوج المرأة إلى سوق الشغل.
وتزداد الصورة تعقيداً عند فئة الشباب، التي تظل الحلقة الأضعف داخل المنظومة الاقتصادية.

فرغم انخفاض البطالة على المستوى الوطني، ما يزال أكثر من ربع الشباب بين 15 و24 سنة خارج سوق العمل، إذ بلغ معدل البطالة لديهم 27.2 في المائة، بينما سجل المعدل المركب للاستخدام غير الكامل للقوى العاملة لدى هذه الفئة 41.7 في المائة، وهو رقم يعكس أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بعدم العثور على وظيفة، بل أيضاً بصعوبة الحصول على عمل مستقر ولائق أو بعدد ساعات عمل كافية.

ولا تبدو وضعية حاملي الشهادات أفضل حالاً، إذ ما تزال البطالة في صفوفهم عند مستويات مرتفعة بلغت 16.7 في المائة، وهو ما يسلط الضوء مجدداً على الفجوة القائمة بين مخرجات منظومة التعليم واحتياجات سوق الشغل، ويعيد إلى الواجهة النقاش حول فعالية سياسات التكوين والتشغيل وربط الجامعة بالمحيط الاقتصادي.

أما على المستوى الترابي، فتبرز الفوارق الجهوية باعتبارها أحد أبرز التحديات التي تواجه التنمية الاقتصادية.

ففي الوقت الذي حققت فيه جهة الداخلة وادي الذهب أعلى معدل للمشاركة في القوى العاملة وأدنى مستويات الضغط على سوق الشغل، ما تزال جهات مثل الشرق وكلميم واد نون والعيون الساقية الحمراء تسجل معدلات مرتفعة للبطالة والقوة العاملة المحتملة، وهو ما يعكس استمرار التفاوت في توزيع فرص الاستثمار والتنمية بين مختلف جهات المملكة.

ويظهر أيضاً أن انخفاض المعدل المركب للاستخدام غير الكامل للقوى العاملة من 22.5 إلى 18.9 في المائة يمثل مؤشراً إيجابياً، لكنه لا يلغي استمرار وجود مئات الآلاف من الأشخاص في وضعية شغل ناقص أو في خانة القوة العاملة المحتملة، وهي فئات تعبر عن هشاشة سوق العمل أكثر مما تعكسه معدلات البطالة التقليدية.

وفي المحصلة، فإن المؤشرات الجديدة تمنح الاقتصاد المغربي جرعة من التفاؤل بعد أشهر من الضغوط، لكنها في الوقت ذاته تؤكد أن الطريق نحو سوق شغل أكثر توازناً لا يزال طويلاً.

فنجاح السياسات العمومية لن يقاس فقط بانخفاض معدل البطالة، بل بقدرتها على خلق وظائف مستقرة ومنتجة، وتقليص الفوارق بين النساء والرجال، وإدماج الشباب وحاملي الشهادات، والحد من التفاوتات المجالية.

فهذه المؤشرات وحدها هي التي ستحدد ما إذا كان المغرب يعيش بالفعل بداية تحول حقيقي في سوق الشغل، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تحسناً ظرفياً تفرضه دورة اقتصادية مؤقتة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى