أزمة صامتة تضرب معامل طنجة.. “الكونتا” يهدد استقرار آلاف عمال النسيج

طنجة: إستثمار

يشهد قطاع الخياطة والنسيج بمدينة طنجة أزمة متفاقمة بسبب تنامي ظاهرة تشغيل اليد العاملة خارج الإطار التقليدي للمعامل، بعدما بات عدد متزايد من الوحدات الإنتاجية يلجأ إلى نظام “الكونتا” أو “العطش” لتجاوز ضغط الطلبيات الخارجية، خصوصا المرتبطة بالأسواق الأوروبية، غير أن هذا الحل الظرفي أصبح يثير مخاوف من تداعياته على استقرار العمال ومستقبل القطاع.

وتكشف المعطيات المتوفرة أن هذه الممارسة دفعت عددا من العاملين إلى مغادرة المعامل والانخراط ضمن مجموعات تشتغل بنظام القطعة، باعتباره أكثر مرونة ومردودية بالنسبة لهم مقارنة بالعمل داخل المصانع وفق عقود تضمن أجرا قارا، وهو ما يزيد من تعقيد أزمة اليد العاملة التي يعاني منها القطاع منذ سنوات.

ويجد قطاع النسيج بطنجة نفسه اليوم أمام معادلة صعبة، فمن جهة تحاول بعض المقاولات الحفاظ على تنافسيتها والوفاء بالتزاماتها مع العلامات التجارية العالمية في ظل تقلب الطلبات، ومن جهة أخرى تبرز مخاوف مرتبطة بضمان حقوق العمال والحفاظ على مناصب شغل مستقرة تساهم في تطوير الخبرات والكفاءات.

وترى الجمعية المغربية لصناعات النسيج والألبسة بالشمال أن انتشار العمل بالقطعة يرتبط بشكل أساسي بالتذبذب الكبير في حجم الطلبيات، إذ قد تشتغل المصانع بعدد كبير من خطوط الإنتاج خلال فترات الرواج، قبل أن تعرف تراجعا مفاجئا في الطلب، ما يفرض عليها تقليص الإنتاج وتسريح جزء من العمال، ثم العودة إلى البحث عن يد عاملة إضافية عند تحسن السوق.

وتؤكد الجمعية أن قطاع النسيج المغربي، وخاصة بطنجة، أصبح جزءا من منظومة إنتاج دولية شديدة التأثر بالتحولات الاقتصادية العالمية، خصوصا في الأسواق الأوروبية، الأمر الذي يدفع بعض المقاولات إلى اعتماد حلول مرنة تمكنها من الاستجابة السريعة للطلبات الموسمية أو الاستثنائية.

غير أن الإشكال لا يكمن في العمل بالقطعة في حد ذاته، بل في بعض الممارسات غير المنظمة التي قد تخرج عن إطار القانون، حيث يتم الاعتماد على وسطاء لاستقطاب العمال وأداء أجورهم، بينما يظل المصنع بعيدا عن العلاقة المباشرة مع اليد العاملة، ما يطرح أسئلة حقيقية حول التصريح الاجتماعي والحماية القانونية وظروف الاشتغال.

ويحذر مهنيون من أن هذا النموذج قد يتحول إلى عامل ضغط إضافي على العمال، خصوصا عندما يتعلق الأمر بساعات عمل طويلة مقابل أجور محدودة، في الوقت الذي يستفيد فيه بعض الوسطاء من هامش مالي ناتج عن الفرق بين المبلغ الذي يدفعه المصنع وما يحصل عليه العامل.

وفي هذا السياق، أكد عادل الدفوف، صاحب معمل للنسيج بمدينة طنجة، أن ظاهرة “العطاشة” مازالت مستمرة داخل القطاع، معتبرا أنها من الممارسات التي تضر بصورة كبيرة بالنسيج الصناعي وباليد العاملة على حد سواء.

وأوضح الدفوف أن هذا النوع من التشغيل يساهم في إضعاف الطابع المهني والمنظم للعمل، كما يحرم عددا من العمال من الاستفادة من الحماية الاجتماعية، ولا يساعد على بناء سوق شغل مستقر قادر على تطوير مهارات العاملين وتأهيلهم.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن بعض العمال الذين يكتسبون خبرتهم داخل المعامل قد يجدون أنفسهم منجذبين إلى هذا النمط من العمل بسبب هامش الحرية أو المردودية السريعة، في حين تلجأ إليه بعض المقاولات تحت ضغط الطلبيات باعتباره حلا عاجلا لتوفير الموارد البشرية المطلوبة.

لكن الفاعل المهني شدد على أن هذا الحل يبقى مؤقتا ولا يعالج الاختلالات العميقة التي يعاني منها القطاع، بل قد يؤدي مستقبلا إلى مزيد من الهشاشة وتقويض أسس صناعة نسيج قوية تعتمد على الاستقرار والتكوين وجودة اليد العاملة.

ودعا الدفوف إلى ضرورة تعزيز الوعي داخل القطاع بخطورة هذه الممارسات، والعمل على احترام القواعد المنظمة للشغل، مع الاستثمار في تكوين العمال وتأهيلهم وضمان حقوقهم، باعتبار أن مستقبل النسيج المغربي مرتبط بمدى قدرته على بناء موارد بشرية مستقرة ومؤهلة.

كما شدد على أهمية تعزيز المراقبة من طرف مختلف المتدخلين، مؤكدا أن معالجة الظاهرة مسؤولية جماعية تتطلب انخراط السلطات والهيئات المهنية وأرباب المقاولات، من أجل حماية تنافسية القطاع دون التضحية بحقوق العمال أو تحويل اليد العاملة إلى عنصر هش في معادلة الإنتاج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى