المحاماة المغربية أمام اختبار جديد.. هل ينجح القانون 66.23 في تحقيق التوازن بين استقلال المهنة ورقابة الدولة؟

الرباط: خالد المعداوي

دخل القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة حيز التنفيذ بعد نشره رسميا بالجريدة الرسمية، في خطوة تشريعية أنهت مسارا طويلا من النقاشات البرلمانية والمهنية التي رافقت إعداد هذا النص، وسط جدل واسع حول حدود الإصلاح المطلوب لمهنة تعتبر إحدى ركائز منظومة العدالة، وحول كيفية تحقيق التوازن بين استقلال المحامي من جهة، ومتطلبات الحكامة والشفافية من جهة أخرى.

ويأتي صدور القانون بعد مرحلة من الترقب، عقب نشر الظهير الشريف رقم 1.26.75 بتاريخ 18 غشت 2026، القاضي بتنفيذه، وإدراجه ضمن العدد 7536 من الجريدة الرسمية الصادر في 20 غشت 2026، وذلك بعد أن أعلنت المحكمة الدستورية في قرارها رقم 277/26 الصادر في 10 غشت الجاري تعذر البت في الإحالة المتعلقة بمدى مطابقته للدستور على حالتها.

ويحمل النص الجديد رؤية مختلفة لتنظيم مهنة المحاماة، إذ لم يعد ينظر إليها فقط باعتبارها مهنة حرة، بل باعتبارها شريكا أساسيا في تحقيق العدالة وضمان المحاكمة العادلة وحماية الحقوق والحريات. فالقانون يؤكد أن المحامي جزء من أسرة القضاء، لكنه في الوقت نفسه يضع إطارا أكثر صرامة لممارسة المهنة، عبر ربطها بمجموعة من الشروط والمسؤوليات المهنية والأخلاقية.

وبالمقارنة مع التنظيم السابق، يسعى القانون الجديد إلى الانتقال من منطق حماية المهنة فقط إلى منطق تأطيرها بشكل أكثر مؤسساتية، من خلال تعزيز شروط الولوج، وتقوية قواعد التأديب، وإرساء آليات جديدة للشفافية المالية.

فلم تعد شهادة التكوين والرغبة في ممارسة المهنة كافيتين، بل أصبح المسار يمر عبر مباراة للولوج، وتكوين وتأهيل، ثم فترة تمرين قبل اكتساب الصفة المهنية الكاملة.
كما أعاد القانون التأكيد على أن ممارسة المحاماة تظل مرتبطة بالانتماء إلى إحدى هيئات المحامين بالمغرب، سواء بالنسبة للمحامين المسجلين أو المحامين المتمرنين، مع إلزامهم باحترام مبادئ الحرية والاستقلال والنزاهة والتجرد والكرامة، وهي مبادئ تشكل تاريخيا جوهر هوية المهنة.

غير أن الجديد الأبرز يتمثل في محاولة المشرع ضبط بعض الجوانب التي ظلت موضوع نقاش داخل الساحة المهنية، خصوصا ما يتعلق بالسر المهني والتعامل مع الملفات القضائية.

فقد شدد القانون على ضرورة حماية سرية معلومات الموكلين، ورتب مسؤوليات قانونية وتأديبية على كل إخلال بهذا الالتزام، في وقت أصبحت فيه تسريبات الملفات ونشر وثائق القضايا موضوع نقاش مجتمعي وقضائي واسع.

وفي السياق نفسه، وضع النص قيودا على نشر أو كشف المعطيات المرتبطة بالأبحاث والتحقيقات الجارية في القضايا الزجرية، بهدف حماية سير العدالة وضمان عدم التأثير على مجريات الملفات، وهو توجه يعكس محاولة تحقيق توازن بين حرية التعبير وحق المجتمع في المعرفة، وبين قرينة البراءة وسرية التحقيق.

ومن بين التحولات المهمة التي جاء بها القانون أيضا تنظيم الجانب المالي المرتبط بممارسة المهنة، عبر إحداث حساب خاص لودائع وأداءات المحامين داخل كل هيئة. ويهدف هذا الإجراء إلى ضمان مزيد من الشفافية في تدبير الأموال التي يتسلمها المحامي لفائدة موكليه أو الغير، خاصة تلك المرتبطة بتنفيذ الأحكام أو العمليات المالية الناتجة عن الملفات القضائية.

ويمثل إخضاع هذه الحسابات للمراقبة المالية، بما فيها رقابة المجلس الأعلى للحسابات، تحولا لافتا مقارنة بالماضي، إذ ينقل تدبير هذه الأموال من مجال التدبير الداخلي للمهنة إلى فضاء أكثر انفتاحا على مبادئ الحكامة والمراقبة، في محاولة لتعزيز ثقة المواطنين في المرفق العدلي.

وعلى المستوى المؤسساتي، حافظ القانون على البنية التقليدية لهيئات المحامين، المتمثلة في الجمعية العامة ومجلس الهيئة والنقيب، لكنه منحها أدوارا واضحة في تدبير شؤون المهنة والدفاع عن استقلاليتها وضمان احترام قواعدها المهنية.

ويضع هذا الإصلاح مهنة المحاماة أمام مرحلة جديدة، تجمع بين الحفاظ على خصوصيتها التاريخية باعتبارها مهنة مستقلة وحرة، وبين إخضاعها لمعايير حديثة في التكوين والمساءلة والشفافية.

وبينما يرى المدافعون عن القانون أنه خطوة نحو تحديث المهنة وتعزيز مكانتها داخل منظومة العدالة، يعتبر آخرون أن نجاحه سيبقى رهينا بطريقة تنزيل مقتضياته ومدى قدرته على حماية استقلال المحامي دون تحويل التنظيم إلى قيود تحد من حرية المهنة.

فالقانون 66.23 لا يغير فقط قواعد ممارسة المحاماة، بل يطرح سؤالا أعمق حول مستقبل العلاقة بين المهن القضائية، الدولة، والمجتمع، في مرحلة أصبحت فيها العدالة مطالبة ليس فقط بإصدار الأحكام، وإنما أيضا بتعزيز الثقة والشفافية وسيادة القانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى