
المغرب يغيّر وجه الهجرة إلى ألمانيا.. 37 ألف مغربي اختاروا بوابة الدراسة والتكوين لبناء المستقبل
استثمار: نارمان بنمسعود
لم تعد الهجرة المغربية نحو ألمانيا مرتبطة فقط بالبحث عن فرص الشغل أو الالتحاق العائلي، بل بدأت تأخذ مساراً جديداً عنوانه التعليم والتكوين المهني، بعدما فرض المغرب نفسه ضمن قائمة أبرز البلدان التي تمد ألمانيا بالطلبة والمتدربين والكفاءات الراغبة في تطوير مؤهلاتها داخل واحدة من أقوى الاقتصادات العالمية.
وكشفت معطيات رسمية ألمانية أن عدد الأشخاص المنحدرين من المغرب والمقيمين بألمانيا، والذين كان التعليم أو التكوين السبب الرئيسي وراء انتقالهم إلى هذا البلد، بلغ حوالي 37 ألف شخص، وهو الرقم الذي وضع المملكة في المرتبة الخامسة عالمياً ضمن هذه الفئة، في مؤشر يعكس تنامي جاذبية المسارات التعليمية والمهنية الألمانية لدى الشباب المغربي.
وتستند هذه المعطيات إلى نتائج أولية للمسح السكاني المصغر لسنة 2025 الصادر عن المكتب الاتحادي الألماني للإحصاء، والذي أظهر أن مجموع المقيمين في ألمانيا الذين اعتبروا الدراسة أو التكوين الدافع الأساسي للهجرة بلغ نحو 924 ألف شخص.
وتتصدر الهند قائمة البلدان المصدرة لهذا النوع من الهجرة بحوالي 98 ألف شخص، تليها الصين بـ77 ألفاً، ثم تركيا بـ52 ألفاً، وإيران بـ43 ألفاً، قبل أن يحل المغرب خامساً بحوالي 37 ألف شخص، أي ما يمثل قرابة 4 في المائة من إجمالي هذه الفئة.
ويكشف هذا الترتيب عن تحول لافت في طبيعة الحضور المغربي بألمانيا، إذ أصبحت الهجرة المرتبطة بالمسارات التعليمية والمهنية تشكل رافعة جديدة للعلاقات بين البلدين، بعدما كانت الهجرة المغربية لعقود مرتبطة أساساً بالعمل التقليدي أو التجمع العائلي.
وتبرز أهمية هذه الدينامية في كون غالبية الوافدين إلى ألمانيا عبر بوابة التعليم والتكوين ينحدرون من خارج الاتحاد الأوروبي، حيث تشير البيانات إلى أن نحو 79 في المائة من هذه الفئة قادمون من دول غير أوروبية، ما يعكس الدور المتزايد لألمانيا كقطب عالمي لاستقطاب الطلبة والمتدربين والمهارات الشابة.
وتستفيد ألمانيا في هذا المجال من نظام تعليمي وتكويني متطور، خاصة منظومة التكوين المهني المزدوج التي تجمع بين الدراسة النظرية والتدريب العملي داخل المقاولات، وهو نموذج جعلها وجهة مفضلة للراغبين في اكتساب مهارات مرتبطة مباشرة بحاجيات سوق الشغل.
بالنسبة للمغرب، فإن صعوده إلى المراتب الأولى ضمن مصادر الهجرة التعليمية نحو ألمانيا يعكس تغيراً في تطلعات الشباب، الذين باتوا ينظرون إلى التكوين الدولي كاستثمار في المستقبل وفرصة لاكتساب خبرات مهنية تفتح أمامهم آفاق الاندماج في اقتصاد عالمي تنافسي.
كما يأتي هذا التطور في سياق تزايد الطلب الألماني على اليد العاملة المؤهلة، في ظل تحديات ديمغرافية ونقص في الموارد البشرية بعدد من القطاعات، ما يجعل الكفاءات القادمة من الخارج جزءاً من استراتيجية ألمانيا للحفاظ على تنافسيتها الاقتصادية.
ويبدو أن المسار التعليمي والتكويني مرشح لأن يصبح أحد أهم جسور التعاون المغربي الألماني خلال السنوات المقبلة، ليس فقط باعتباره قناة للحركية البشرية، بل باعتباره أيضاً وسيلة لنقل الخبرات وتعزيز الروابط الاقتصادية والمهنية بين البلدين.
فالهجرة المغربية نحو ألمانيا تدخل بذلك مرحلة جديدة، حيث لم تعد الرحلة تبدأ بالبحث عن وظيفة فقط، بل قد تنطلق من قاعة درس أو مركز تكوين، لتنتهي بكفاءة قادرة على الاندماج والمساهمة في سوق عمل عالمي.





