انتخابات 23 شتنبر.. هل يهدد شبح العزوف شرعية صناديق الاقتراع ويضع الأحزاب أمام امتحان المشاركة؟

الرباط: كريم المعطاوي

دخل المغرب، اليوم الاثنين، مرحلة العدّ التنازلي الحاسمة نحو الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، بعدما أعلن وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت رسمياً فتح مرحلة إيداع الترشيحات عبر البوابة الإلكترونية المخصصة لذلك، في خطوة تؤشر على انتقال الاستحقاق الانتخابي من مرحلة الإعداد التنظيمي إلى مرحلة المواجهة السياسية المباشرة.

غير أن انطلاق هذه المرحلة لا يحجب سؤالاً أكثر حساسية من مجرد معرفة أسماء المرشحين أو توزيع الدوائر الانتخابية، ويتعلق أساساً بنسبة المشاركة المنتظرة يوم الاقتراع، في ظل مؤشرات سياسية ومجتمعية تغذي مخاوف متزايدة من اتساع دائرة العزوف عن التصويت.

وتبدو معركة المشاركة هذه المرة مختلفة عن مجرد سباق انتخابي بين الأحزاب والمرشحين؛ إذ باتت تشكل، في حد ذاتها، اختباراً لمدى قدرة المؤسسات السياسية على إقناع المواطنين بأن التصويت يمكن أن يكون وسيلة فعلية للتأثير في السياسات العمومية وفي موازين القوى داخل البرلمان والحكومة.
وتستند المخاوف من تراجع المشاركة إلى مفارقة واضحة في المسار الانتخابي المغربي.

ففي الوقت الذي شهدت فيه انتخابات 2021 ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة المشاركة، متجاوزة عتبة 50 في المائة، بعدما ارتفعت بنحو سبع نقاط مقارنة باستحقاقات 2016، فإن المناخ السياسي والاجتماعي الذي يسبق انتخابات 2026 يبدو أكثر تعقيداً، خصوصاً مع تنامي خطاب التشكيك في جدوى الانتخابات، واتساع المسافة بين قطاعات من المواطنين وبين الأحزاب السياسية.

وبالمقارنة مع انتخابات 2021، التي استفادت من عدة عوامل ساعدت على تعبئة الناخبين، تدخل الانتخابات الحالية في سياق مختلف؛ فالحكومة المنتهية ولايتها أصبحت مطالبة بتقديم حصيلة ملموسة، بينما تحاول أحزاب المعارضة استثمار الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي أثارت جدلاً واسعاً خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها التشغيل، وغلاء الأسعار، والقدرة الشرائية، والصحة والتعليم والسكن.

وهنا تكمن إحدى أهم مفارقات الاستحقاق المقبل: فالأحزاب ستخوض الانتخابات بحثاً عن أصوات الناخبين، لكنها في الوقت نفسه تواجه ناخباً أكثر انتقائية وأقل استعداداً لمنح صوته بسهولة. وبالتالي، فإن المنافسة لن تكون فقط بين البرامج والمرشحين، وإنما ستكون أيضاً بين خطاب المشاركة وخطاب العزوف.

ومن المنتظر أن تحاول الأحزاب خلال الأسابيع المقبلة رفع منسوب التواصل السياسي، سواء من خلال اللقاءات الجماهيرية أو المنصات الرقمية أو الحملات الميدانية، في محاولة لإعادة السياسة إلى صدارة النقاش العمومي.

إلا أن التحدي الحقيقي سيكون في تحويل هذا التواصل من مجرد دعاية انتخابية موسمية إلى نقاش مقنع حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية التي تنتظر البلاد.

فالتجارب الانتخابية السابقة أظهرت أن كثافة الحملات الانتخابية لا تعني بالضرورة ارتفاع المشاركة. وقد تتمكن الأحزاب من ملء الفضاءات العامة بالملصقات والخطابات واللقاءات، دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على عدد المواطنين المتوجهين إلى صناديق الاقتراع.

والأخطر من ذلك أن استمرار ارتفاع منسوب العزوف يمكن أن يخلق فجوة بين النتائج الانتخابية والتمثيلية المجتمعية الفعلية. فكلما انخفضت المشاركة، أصبح عدد أقل من الناخبين هو الذي يحدد موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية، وهو ما قد يضع الأحزاب الفائزة أمام سؤال سياسي دائم حول مدى قدرتها على الادعاء بأنها تمثل المزاج العام للمجتمع.

ومن هذه الزاوية، فإن نسبة المشاركة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها رقماً تقنياً تعلنه وزارة الداخلية بعد إغلاق مكاتب التصويت، بل باعتبارها مؤشراً أساسياً على صحة العلاقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.

كما أن المقارنة بين استحقاقات 2016 و2021 تكشف أن ارتفاع المشاركة ليس مستحيلاً، لكنه يحتاج إلى توفر عوامل تعبئة سياسية ومجتمعية حقيقية. فقد ارتفعت المشاركة في 2021 بشكل واضح مقارنة بـ2016، وهو ما أظهر أن الناخب المغربي يمكن أن يتفاعل بقوة مع الانتخابات عندما يشعر بأن المنافسة السياسية تحمل رهانات ملموسة أو أن صوته يمكن أن يؤثر في اتجاه المرحلة المقبلة.
لكن السؤال المطروح في 2026 هو: هل ستنجح الأحزاب في إعادة إنتاج تلك الدينامية، أم أن عوامل الإحباط والعزوف ستكون أقوى هذه المرة؟

الإجابة ستتوقف إلى حد كبير على طبيعة الخطاب الذي ستقدمه الأحزاب خلال الحملة الانتخابية. فإذا تحولت المنافسة إلى تبادل للاتهامات والصراعات الشخصية، أو إلى وعود انتخابية عامة، فقد يؤدي ذلك إلى تعميق عزوف المواطنين.

أما إذا نجحت القوى السياسية في تقديم برامج واضحة وقابلة للنقاش، مع تحديد المسؤوليات وربط الوعود بالحصيلة، فقد تتحول الحملة إلى فرصة لإعادة بناء جزء من الثقة المفقودة.

وتحمل الانتخابات المقبلة أيضاً تحدياً خاصاً يتعلق بالشباب.
فهذه الفئة تمثل إحدى أهم الكتل الانتخابية من حيث العدد، لكنها في الوقت نفسه من أكثر الفئات التي يمكن أن تتأثر بمشاعر عدم الثقة في العمل الحزبي والمؤسساتي.

ولذلك، فإن استقطاب الشباب لن يتم بالضرورة عبر الخطابات التقليدية أو التجمعات الانتخابية الكلاسيكية، وإنما من خلال مخاطبة القضايا التي تمس حياتهم اليومية، وعلى رأسها فرص الشغل، والولوج إلى السكن، والتعليم، والتحول الرقمي، والهجرة، وتكافؤ الفرص.

كما ستلعب شبكات التواصل الاجتماعي دوراً متزايداً في تشكيل المزاج الانتخابي. فالحملة الانتخابية لم تعد محصورة في الشوارع والقاعات، بل أصبحت تمتد إلى المنصات الرقمية، حيث يمكن لمقطع فيديو قصير أو تصريح مثير للجدل أن يحظى بانتشار يفوق ما تحققه تجمعات انتخابية كاملة.

غير أن هذا التحول يحمل معه مخاطر أيضاً، خصوصاً في ظل إمكانية انتشار الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة والتسجيلات المجتزأة، وهو ما يجعل مسؤولية الأحزاب والمرشحين أكبر في الحفاظ على مستوى مقبول من النقاش السياسي.

وبينما تستعد الأحزاب لتقديم مرشحيها والدخول في مرحلة المنافسة، يبدو أن المعركة الحقيقية لانتخابات 23 شتنبر لن تكون فقط حول من سيحصل على أكبر عدد من المقاعد، وإنما حول من سيتمكن من إخراج أكبر عدد من المواطنين من دائرة اللامبالاة السياسية إلى دائرة المشاركة.

فالحزب الذي يفوز بمقاعد إضافية قد يحقق مكسباً انتخابياً، لكن المؤسسات السياسية برمتها تحتاج إلى مكسب أكبر: استعادة ثقة المواطن في أن صوته له قيمة وأن مشاركته ليست مجرد إجراء دوري لا يغير شيئاً في حياته اليومية.

وبذلك، يصبح يوم 23 شتنبر اختباراً مزدوجاً؛ اختباراً للأحزاب في قدرتها على الإقناع والتعبئة، واختباراً للمواطنين في مدى استعدادهم للعودة إلى صناديق الاقتراع. وبينما ينشغل الفاعلون السياسيون حالياً بتدبير لوائح الترشيحات والتحالفات الانتخابية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى