الدار البيضاء تحت «المراقبة».. كاميرات الشوارع تُضيّق الخناق على اللصوص وتكشف أسرار الجرائم

الدار البيضاء: إستثمار

لم تعد كاميرات المراقبة المنتشرة في المحلات التجارية والمقاهي والأسواق والأزقة بمدينة الدار البيضاء مجرد وسيلة تقليدية لحماية الممتلكات، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى عنصر مؤثر في معادلة مكافحة الجريمة، بعدما أصبحت تسجيلاتها تساعد في فك خيوط عدد من القضايا والوصول إلى المشتبه فيهم في وقت وجيز.

ففي الوقت الذي كانت فيه بعض عمليات السرقة والاعتداءات تعتمد، في السابق، على شهادات الضحايا والمارة والمعاينات الميدانية، باتت الصورة الرقمية تضيف عنصراً جديداً للتحقيق، من خلال توثيق لحظة ارتكاب الفعل، وحركة المشتبه فيهم، ووسائل التنقل، ومسارات الفرار، وأحياناً تفاصيل دقيقة قد لا يستطيع شهود العيان تذكرها.

وتكشف موجة التسجيلات التي انتشرت أخيراً على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي توثق لعمليات سرقة واعتداءات داخل أو بالقرب من المحلات التجارية، عن تحول لافت في طبيعة العلاقة بين التكنولوجيا والأمن.

فالمقطع الذي يبدأ كفيديو متداول بين المستخدمين قد يتحول، بعد إخضاعه للتحليل وربطه بمعطيات أخرى، إلى خيط يقود إلى تحديد هوية مشتبه فيه وتوقيفه وإحالته على العدالة.

وفي الدار البيضاء، تبدو أهمية هذه المنظومة أكبر بالنظر إلى الكثافة السكانية والحركة التجارية الكبيرة التي تعرفها المدينة. فانتشار الكاميرات في مواقع مختلفة يسمح، في بعض الحالات، بتتبع مسار المشتبه فيه من نقطة إلى أخرى، خصوصاً عندما تتوفر تسجيلات متتالية من محلات أو فضاءات متجاورة.

لكن قوة هذه التكنولوجيا لا تكمن في التصوير وحده، وإنما في القدرة على تحليل المعطيات وربطها بباقي عناصر البحث. وهنا تتقاطع التسجيلات مع الخبرات التقنية والعلمية والمعاينات الميدانية، بما يسمح بتحويل صور تبدو للوهلة الأولى عادية إلى معطيات قد تساعد في بناء تصور أكثر دقة حول ظروف ارتكاب الجريمة وهوية مرتكبيها.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن كاميرات المراقبة غيرت أيضاً سلوك بعض التجار وأصحاب المحلات. فبعدما كان اقتناء الكاميرات يُنظر إليه باعتباره إجراءً احتياطياً أو تكلفة إضافية، أصبح بالنسبة إلى كثيرين استثماراً أمنياً ضرورياً، خاصة بعدما أظهرت وقائع متعددة قدرة التسجيلات على توثيق أساليب تنفيذ السرقات ووسائل الفرار والطرق التي يسلكها المشتبه فيهم بعد ارتكاب الأفعال الإجرامية.

واللافت أن الكاميرا تؤدي وظيفتين مختلفتين في الوقت نفسه: الأولى وقائية، من خلال جعل المكان أكثر صعوبة بالنسبة لمن يفكر في ارتكاب جريمة، والثانية استدلالية، عندما تتحول التسجيلات بعد وقوع الجريمة إلى مادة تساعد في البحث والتحقيق.

وبالمقارنة مع الماضي، لم يعد الجاني يواجه فقط احتمال أن يراه أحد المواطنين أو يتعرف عليه الضحية، بل أصبح أمام احتمال آخر يتمثل في ترك أثر رقمي يمكن الرجوع إليه بعد ساعات أو أيام من ارتكاب الجريمة. وهذا المعطى وحده قد يرفع مستوى المخاطرة بالنسبة إلى مرتكبي بعض الجرائم، خصوصاً تلك التي تقع في مناطق تجارية مجهزة بشبكات واسعة من الكاميرات.

وقد ساهمت التسجيلات، في عدد من القضايا، في تمكين المصالح الأمنية من الوصول إلى مشتبه فيهم، كما ساعدت في استرجاع جزء من المسروقات أو تحديد الوسائل التي يشتبه في استخدامها أثناء تنفيذ الجرائم. وبذلك لم تعد الكاميرا مجرد جهاز مثبت على واجهة متجر، وإنما أصبحت جزءاً من منظومة أوسع تعتمد على التكنولوجيا إلى جانب العمل الأمني التقليدي.

غير أن هذا التحول يفتح في المقابل نقاشاً لا يقل أهمية عن الجانب الأمني، يتعلق بحدود استخدام التسجيلات المصورة ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي. فبينما قد يساعد تداول الصور في تسريع التعرف على بعض المشتبه فيهم، فإن نشر صور أشخاص وربطهم بجرائم قبل صدور أحكام قضائية نهائية يطرح إشكالات مرتبطة بالخصوصية وقرينة البراءة وحماية المعطيات الشخصية.

لذلك، فإن التحدي المقبل لا يتعلق فقط بزيادة عدد الكاميرات في شوارع الدار البيضاء، وإنما بكيفية تحقيق التوازن بين الأمن والخصوصية، وضمان استعمال التسجيلات في إطار قانوني ومهني يحفظ حقوق الأفراد ويخدم في الوقت نفسه مصلحة العدالة.

وفي المحصلة، يبدو أن الدار البيضاء تدخل تدريجياً مرحلة جديدة في مواجهة الجريمة، عنوانها التكنولوجيا والمراقبة الرقمية. فالكاميرا التي كانت في الماضي مجرد «عين إلكترونية» تراقب المكان، أصبحت اليوم شاهداً صامتاً يمكن أن يساعد في إعادة تركيب تفاصيل الجريمة وتضييق دائرة الاشتباه.

وبينما يراهن التجار والمواطنون على هذه التكنولوجيا لتعزيز الإحساس بالأمان، يبقى السؤال الأكبر مطروحاً: هل نحن أمام مدينة أكثر أمناً بفضل الكاميرات،
أم أمام مدينة أكثر مراقبة؟
يمكنني أيضاً جعل العنوان أكثر صدمة وإثارة بصيغة تناسب واجهة موقع «استثمار»، مع الحفاظ على الطابع الصحفي المهني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى