المنصوري تراهن على الرقمنة: هل يكفي التحديث الرقمي لتسريع خدمات ونجاعة الوكالات الحضرية؟

الرباط: إدريس بنمسعود

أعادت فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فتح ملف إصلاح الوكالات الحضرية من بوابة الرقمنة، معلنة عن “توسيع التدبير اللامادي” وإحداث منصات رقمية جديدة، بعد تجربة منصة “رخص” التي توصف بالناجحة. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته التقنية، يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل تكمن أعطاب الوكالات الحضرية فقط في غياب الرقمنة، أم أن الإشكال أعمق ويتعلق ببنية التنظيم والتمركز المفرط للقرار؟

خطاب الوزيرة يراهن على الرقمنة باعتبارها أداة لتخفيف العبء عن الإدارة وتقريب الخدمة من المواطن، عبر إحداث تمثيليات تابعة لوكالات جهوية للتعمير والإسكان. لكن القراءة النقدية لهذا التوجه تكشف أن الرقمنة، مهما بلغت درجة تطورها، قد تتحول إلى مجرد واجهة تقنية إذا لم تواكبها إعادة نظر جذرية في طريقة توزيع الاختصاصات واتخاذ القرار.

فالمشروع، كما صيغ، يمنح مجالس إدارة الوكالات سلطة تقديرية واسعة في إحداث التمثيليات وتفويض الصلاحيات، وهو ما يثير مخاوف حقيقية من إعادة إنتاج نفس الاختلالات السابقة، لكن بصيغة رقمية. فالمشكل الذي يشتكي منه المرتفقون اليوم لا يرتبط فقط بطول المساطر، بل بتعدد مراكز القرار، وبطء التفويض، وأحيانًا تردد المسؤولين في نقل صلاحيات حقيقية إلى المستوى الترابي.

النقاش البرلماني عكس هذا القلق بوضوح، خصوصًا من طرف المعارضة التي دعت إلى التنصيص القانوني الصريح على إحداث التمثيليات في كل عمالة وإقليم، بدل ربطها بتقدير مجالس الإدارة. هذا المطلب لا يبدو تقنيًا فحسب، بل سياسيًا ومجاليًا، لأنه يرتبط بمبدأ العدالة المجالية والحق المتساوي في الولوج إلى الخدمات العمومية، بعيدًا عن منطق المركز والهوامش.

أما الدفاع عن الإبقاء على مقرات الوكالات الجهوية في المدن الكبرى، كما في حالة الدار البيضاء، فيستند إلى مبررات مؤسساتية ورمزية، لكنه لا يجيب بشكل مباشر عن معاناة مواطنين ومهنيين يضطرون إلى قطع عشرات الكيلومترات، أو الانتظار لأسابيع، من أجل توقيع أو تأشير يمكن أن يُحسم محليًا لو توفرت الإرادة والاختصاص.
في المحصلة، يبدو أن توسيع الرقمنة خطوة ضرورية لكنها غير كافية.

فالإصلاح الحقيقي للوكالات الحضرية يمر عبر تحويلها فعليًا إلى وكالات جهوية قوية، بتمثيليات ترابية حقيقية، واختصاصات واضحة ومحمية بنص القانون. دون ذلك، قد تجد الإدارة نفسها أمام منصات حديثة، لكن بعقليات قديمة، ومرتفقين ينتظرون كثيرًا… ولو عبر شاشة رقمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى